#adsense

… ولو على مضض

حجم الخط

… ولو على مضض

التغيير، أو التحوُّل الجذري الذي ينشده اللبنانيّون منذ بوسطة عين الرمانة وما تلاها من حروب ومصائب ودواه، لا يمكن تحقيقه إلا بطيّ صفحة الماضي، وهدم حواجز العداء والحقد والبغضاء بين الناس، وعودة الروح الى ذلك اللبنان الذي لا يزال رهين الانقسامات الداخلية الحادة والفرقعة الاقليميَّة من حوله.

لقد برهنت نتائج الانتخابات "التاريخيّة" ان اللبنانيين اقترعوا للسلم الأهلي، والميثاق الوطني، والعيش المشترك، والصيغة الفريدة التي استطاعت صهر ثماني عشرة طائفة في مساحة جغرافيّة تكاد تكون رمزيّة، ولبنان الواحد والدولة الواحدة.
مثلما اقترعوا بكثافة، وبما يشبه الاجماع، ضد الدويلات، وضد الميليشيات، وضد انتشار السلاح في معظم الأرجاء اللبنانيَّة.
وخصوصاً السلاح الثقيل.

كذلك اقترعوا، وبوضوح تام، ضد استمرار الدويلات والمربعات الأمنيَّة ومختلف دكاكين الفاتحين على حسابهم في رفض الدولة، ورفض الشرعية، ورفض المؤسَّسات، ورفض القوانين العامة، ورفض الاعتراف بمرجعية السلطة الواحدة التي تمثّل كل الفئات والطوائف والجماعات…
ولكن، كيف يكون ذلك، وكيف يتمُّ ما جاء في الكتب وما اعلنته صناديق الاقتراع، وما جاهرت به هذه الكثافة النادرة في الاقبال على التصويت، ومن كل حدب وصوب.

وبنسبة عالية جداً لم يسبق للبنان أن عرفها، أو قاربها حتى في المواجهة التي لا تزال ماثلة حتى اليوم بين "الحلف الثلاثي" و"النهج" والشهابيَّة بصورة عامة.
ومرة أخرى أَفتح هلالين كبيرين لاعترف بالظلم الكبير الذي استهدف الأمير اللواء الرئيس فؤاد شهاب، والذي كان بدوره ضحيَّة أكلة الجبنة الجدد الذين "سلطنهم" المكتب الثاني.

وعلى طريقة الوصاية الغابرة، وباساليبها البشعة وظلافتها.
إنما نعود بعد ذلك الى موضوعنا الأساسي، والى البحث عن مخرج متين وصالح ونهائي، يساعد لبنان على التخلَّص من فولكلور "الولاءات" الوطنية التي تستمد الشرعية لها وللبنان تفترضه من الخارج، ومن أكثر من جهة اقليميَّة.
ونعود الى مسألة التضحية من أجل مصلحة لبنان، لا التضحية بلبنان من اجل مصالح بعض الناس وبعض الأنانيين وبعض الموتورين وبعض حلفاء الخارج.

اليوم، وبعد "الصحوة" التي مهدت السبل أمام الجميع. يُفترض في مختلف العناتر والقبضايات وأصحاب الدويلات والمحميات والساندين ظهورهم الى ترسانات الاسلحة أن يراجعوا حساباتهم ومشاريعهم وأوهامهم. ولا بأس أن قالوا اكفى.
وكم يكون رائعاً إن هم رجعوا الى ضمائرهم وسمعوا ما عندها.

لا بدَّ من التفكر، ولا بدَّ من التأمل في الكوارث التي ابتلى بها لبنان واللبنانيون من جراء هذه السياسات، وتلك التحالفات، وهاتيك "المشاريع" التي عفاها الزمن.

ولا بدَّ من الرجوع الى الاصول، والى الدستور، والى الينابيع، والى الأعراف والتقاليد، والى الحياة السياسية من باب الديموقراطية البرلمانية، ومن ساحة النجمة تحديداً حيث بني مجد لبنان، وحيث ترسَّخت صيغته، وحيث جذب نموذجه وفوداً برلمانية من أربع رياح الأرض، لتشهد. وتشهق. وتصفق اعجاباً وتقديراً وانبهاراً.

وحيث مرّ رجالات أَعطوا حياتهم وأحلامهم وآمالهم للبنان، الذي صار ذات يوم قبلة الغرب والشرق، وحاضن الحضارات والثقافات والابداع والمبدعين، ومن كل انحاء العالم.

صحيح ان الدنيا تغيَّرت، وتغيّرت الرجالات، وتغيّرت الثقافات والأعراف، الا ان من شأن العودة الى ساحة النجمة وما ترمز اليه أن يجعل التاريخ يعيد نفسه… ولو على مضض.
غداً نتابع هذه الجولة، لنطوي صفحة الماضي ونفتح باب المستقبل.

المصدر:
النهار

خبر عاجل