#adsense

سنة كل الأخطار !

حجم الخط

سنة كل الأخطار !

لا يملك العرب سياسيا القدرة على قبول "عرض" بنيامين نتنياهو، ولا يملكون، عسكريا، القدرة على رفض الواقع الذي يفرض. وما حمله خطابه يوم الأحد ليس سوى تجميد مقنع لعملية السلام التي يسعى الرئيس الأميركي باراك أوباما الى إنجازها خلال ثلاث سنوات، كما أوحت إدارته، أي قبل خوضه معركة تجديد رئاسته.

فبعد عشرة أيام على خطاب أوباما في القاهرة (4 حزيران) رد رئيس الحكومة الإسرائيلية بـ"نعم" مرتين وبـ"لا" مرتين وبشرط يعلق كل الإجابات: نعم لدولة فلسطينية لكن منزوعة السلاح، ونعم لاستئناف المفاوضات. لا لوقف إقامة المستوطنات ولا لعودة اللاجئين. أما الشرط المعلق لكل ذلك فهو تسليم العرب جميعا بإسرائيل دولة قومية لليهود، أي قبولهم سلفا بعملية "ترانسفير" لفلسطينيي 1948 (يشكلون خمس عدد سكان دولة الإحتلال) إلى "دولة" فلسطينية منزوعة السلاح ستكون أقرب إلى "غيتو" أو "بانتوستان".

قطع رئيس الوزراء الاسرائيلي الجديد الطريق أمام الزخم الذي أوحى الرئيس الاميركي الرغبة في إضفائه لتحريك السلام المجمد منذ ما قبل مبادرة بيروت العربية الإجماعية، وإذا كان من المبكر الجزم بذلك فإن من المنطقي أن يتساءل المراقب عن مكمن الاستحسان الذي قابل به أوباما خطاب الأحد (تسجل الصحافة الغربية لرئيس الوزراء الإسرائيلي أنه استخدم للمرة الأولى تعبير "دولة فلسطينية" وهو الذي تعمد الحديث، طوال حملته الانتخابية، عن كيان فلسطيني).

يوم الأحد نفسه، وفي المنطقة نفسها من هذا العالم، كان الوضع حارا إلى حد اللهب في مكان غير بعيد عن الحريق الذي أضرمه نتنياهو في مركب السلام الأميركي: لم يستطع النظام الإيراني هضم توجه إصلاحي، من داخله ومن نسيجه، سعى الى تبوؤ قمة هرمه التنفيذي: فاز أحمدي نجاد بولاية رئاسية جديدة حسب وزارة الداخلية الايرانية، بينما الفائز الفعلي، حسب الرأي العام، هو غريمه الإصلاحي مير حسين موسوي.

الإيرانيون في الشارع بقوة لا تعادل، بالطبع، ما كانوا عليه يوم إسقاط نظام الشاه عام 1979، لكنهم فاجأوا كل العالم. بدأوا تمردهم فور إعلان النتائج المتضاربة مساء الجمعة، واسقطوا يوم السبت توقعات المراقبين أن ينكفئوا، وزاد تصميمهم يوم الأحد مع خروج مؤيدي أحمدي نجاد في وسط طهران في استعراض قوة ونصر.

فتح نتنياهو الشرق الاوسط على أفق عنف جديد، ليس بالضرورة في مواجهة إسرائيل، بل هو، كما العادة، بين من يريدون الرد بتطويق ديبلوماسي يحشر الادارة الأميركية امام التزاماتها من جهة، وامام حاجتها الى رص صفوف "الحلفاء" لاسيما العرب، في وجه الملف النووي الايراني، من جهة أخرى، وبين من يريدون المواجهة المسلحة مع تل أبيب بوهم الوعد الإلهي بالنصر الذي يكفي ألا تهزمنا حتى نعتبره قد تحقق، وإن كلفنا مئات الشهداء من المدنيين في مقابل قتلى من جانبها، قلة منهم عسكريون وكثرة من المدنيين غالبيتهم من الفلسطينيين.

يعرف نتنياهو أن خطابه غير قابل للصرف في عملية السلام. لكن من قال أنه يريد سلاما مع العرب سوى ذلك الذي يسلمه قيادة المنطقة، وهو مرفوض منهم شاءت قياداتهم أم أبت. ويعرف نتنياهو أن عرضه المذل سيؤدي الى نفث الرياح في نيران المنطقة مجددا، وتحريك الإضطرابات في دولها. لكن من قال ان ذلك ليس قمة ما تسعى إليه الدولة العبرية، وهو الأكثر إراحة لها. تاريخ المنطقة يؤكد ذلك: التشدد يستدعي التشدد ولكن ليس في مواجهته. التشدد الاسرائيلي يفجر التناقضات العربية والخلافات الفلسطينية، لكنه هذه المرة يحرج أيضا الادارة الاميركية وإن رحبت بخطاب نتنياهو. هي تستعجل عملية السلام في المنطقة كجزء من تطويق الملف النووي الإيراني الذي تفاوضه بلا تفاؤل، لتحسم في أمره بعيد نهاية العام، بعد أن تتسلح بنجاح ما في سلام الشرق الأوسط الذي لم تتبد تباشيره في خطاب الأحد.

التشدد في إيران منذ نهاية الاسبوع الفائت ليس وليد الخطاب نفسه، وهو سابق أصلا عليه لكنه مؤسس على روحيته التي انبنت عليها دولة اسرائيل. فالنظام في طهران يحاول إقامة زعامته الاسلامية على زعم قيادة تحرير فلسطين والعداء لواشنطن، ورئيسه العائد أدخلهما في خطابه السياسي الاحد لشد عصب جمهوره، حين اتهم خصومه ومؤيديهم بالعمالة للخارج (ألا يذكر هذا المنطق بأدبيات بعض قوى الداخل اللبناني قبل الانتخابات؟).

بين التفاف نتنياهو على خطاب أوباما في القاهرة بتجويف عملية السلام من مضمونها الفلسطيني والعربي، وبين الرد الإيراني على عرض التفاوض الاميركي في الملف النووي بإعادة احمدي نجاد الى الرئاسة بقوة سطوة مرشد الثورة، لا يبدو أفق المنطقة حاملا تباشير تفاؤل…
موعد الإختبار ينتظر نهاية السنة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل