بداية أوباما الجديدة تبدأ في فلسطين
"الكلمات العظيمة سهلة وكثيرة أما الأعمال العظيمة فصعبة ونادرة"
ونستون تشرشل
"وجود دولة يهودية في فلسطين هو الوليد الغير الشرعي للقوى الاستعمارية، وهي غير قابلة بالوجود إلا بناء على التخلص من معظم الوجود الفلسطيني من خلال الترانسفير أو من خلال حصرهم جغرافياً في سياسة فصل عنصري. وفي حال تحقيق ذلك، فإن استمرار دولة من هذا النوع سيكون مبنياً على القوة العسكرية والعسف والتوسع مما يعني حالة صراع مستمرة مع محيطها".
شهيد علم ـ استاذ علم الاقتصاد في جامعة نورث ايسترن ـ الولايات المتحدة
في كتاب يشرح فيه عن تجربته في فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر عنوانه "حيفا" قال الكاتب البريطاني "لورانس أوليفانت" بأنه لم يلحظ من خلال زيارته لمستوطنة يهودية في محيط "الكرمل" أي انزعاج من قبل الفلاحين العرب من تملك بعض اليهود أراضي زراعية وذلك على خلفية دينية، بل على العكس فقد لاحظ تعاوناً منطقياً بين الملاكين اليهود وبين أصحاب الخبرة في الزراعة والفلاحة من العرب. كان هذا سنة 1882، يوم كان عدد اليهود في فلسطين لا يتعدى 4% من عدد السكان، وعندما لم يكن ظاهراً أي عدائية من مشاريع الاستيطان وخطورتها على وجود السكان الأصليين، ولكن ارتفاع هذه النسبة الى أكثر من 17% عشية الحرب العالمية الأولى سنة 1914 بدأ يطرح جملة من التساؤلات والريب في عقول العرب في فلسطين.
في سنة 1917 أصدرت بريطانيا وعد "بلفور" الذي ينص على منح أرض فلسطين لإقامة وطن قومي لليهود فيها. ووقعت فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى تحت الانتداب البريطاني حيث بدأت هجرة اليهود بالتنامي، مما دفع الفلسطينيين الى بدء حركات المقاومة كان من أعلامها عبد القادر الحسيني وعز الدين القسام وغيرهم، وتواجه الفلسطينيون مع مجموعات صهيونية منظمة ومدربة ومجربة في صفوف القوات البريطانية أثناء الحرب العالمية الأولى، فقد أسسوا منظمات مثل "الأراغون" و"شتيرن" و"الهاغانا".
في سنة 1947 أصدرت الأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين الى دولتين: إسرائيل وفلسطين. رفض العرب القرار بطبيعة الحال وبدأت حرب 1948 التي انتهت بالنكبة وخسارة المزيد من أرض فلسطين. صدر بعد الحرب القرار 194 الذي يؤكد حق العودة للفلسطينيين.
لقد كان من الطبيعي أن تكون ردة فعل العرب الرفض القاطع للقرار الدولي بالتقسيم بناء على المعطيات السائدة في ذلك الوقت. فلا الموروث الديني ولا القومي ولا الإنساني كان سيسمح بقبول تسوية من هذا النوع.
وحتى أن المنطق الإنساني البسيط لا يمكنه أن يصف هذه التسوية إلا بالظلم الفاضح لأبسط الحقوق الإنسانية، ولكن العالم يومها كان واقعاً تحت ابتزاز "الهولوكوست" في جزء منه، والجزء الآخر مقتنع بالحق التاريخي لليهود بالعودة الى أرض الميعاد.
وهذا بالضبط ما قصده الرئيس الأميركي أوباما عندما تحدث عن الروابط العقائدية والعاطفية التي تربط الشعب الأميركي بإسرائيل. فنصف الشعب الأميركي لا يزال حتى اليوم مؤمناً بقصص التوراة بحرفيتها، ويعتبر عودة اليهود الى أرض صهيون مسألة مركزية وأساسية في التاريخ الإنساني.
لذلك فإن ما يراه العرب والمسلمون بأنه ظلم تاريخي، يراه معظم الأميركيين بأنه حتمية تاريخية، لا بل حتمية مركزية في إيمانهم وعقيدتهم.
بالإضافة الى كل ذلك، فإن العرب والمسلمين فشلوا في تشكيل مراكز ضغط حقيقية ضمن المجتمع الأميركي، ولم تكن أنظمة حكمهم مدعاة للثقة ولا صورة مجتمعاتهم تحمل أياً من الجاذبية للعقل الأميركي.
بالمحصلة فإن تغيير الأجيال وتعدد الإخفاقات العربية في تحقيق حد أدنى من التوازن مع إسرائيل على مختلف المستويات أدى الى تحول "لاءات الخرطوم الثلاث" (لا صلح، لا اعتراف، ولا مفاوضات) التي أطلقت عشية هزيمة حرب حزيران 1967، الى منطق "الأرض مقابل السلام" في مؤتمر "مدريد"، ومؤخراً الى المبادرة العربية للسلام التي لو طرحت عشية النكبة لكانت شروطها على العرب أصعب بكثير من قرار التقسيم.
كل هذا لا يلغي بأل حال من الأحوال كون فلسطين الجرح النازف والمفتوح دائماً في خاصرة الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي، وبأن الشعور المرير بالظلم الذي شكلته، ولا تزال تشكله هذه القضية، كان المحرك الأساسي للوقائع التي أسست لفلسفة "صراع الحضارات" وبالمقابل لمنطق بن لادن بوصف العالم بـ"فسطاطين".
وقد كان واضحاً محاولة كتب ومفكرين تجاوز قضية فلسطين، وهنا يلتقي الكثيرون من الكتّاب الصهاينة مع بعض الإسلاميين في تحويل الصراع من موقع الحق الفلسطيني، لتعميمه وتضييعه في المتاهات العقائدية، وأحد الأدلة هو غياب قضية فلسطين عن أدبيات منظمة القاعدة وعن فلسفة الصراع، الى أن تم إقحامها لاحقاً من قبل بن لادن والظواهري لاكتساب بعض المصداقية.
في مقلب مهم آخر، فقد شكل موضوع فلسطين الرافعة الأهم للخطاب الذي حملته دولة ولاية الفقيه في إيران منذ إنشائها، وقد كان هذا الموضوع الوسيلة الأنجح والأقوى التي سمحت بأن يصبح التغلغل الإيراني بحجمه الحالي ضمن المجتمعين العربي والإسلامي.
أما الموضوع الخطير الآخر فهو الإعاقة التي تسببت بها قضية فلسطين في موضوع التحول الطبيعي نحو الديموقراطية للأنظمة المحلية على الرغم من وجود نخب واضحة المعالم كان من الممكن أن تدفع الأمور نحو هذا التحول. أضف الى ذلك غياب التنمية وضآلة حجم الحريات وحقوق الفرد في ظل أنظمة الطوارئ وفي ظل التخوين لكل معارض للأنظمة القائمة. كل ذلك على خلفية القضية الفلسطينية.
بالمقابل، فإن أكثرية الناس، من نخب وعامة مقتنعون بأن مفتاح الحل موجود بيد الولايات المتحدة الأميركية من خلال الضغط على إسرائيل وإجبارها على القبول بالتسوية المبنية على المبادرة العربية للسلام، وقد تكون بادرة الأمل الأولى هي بإجراءات حازمة لوقف الاستيطان كمقدمة يمكن ان تؤدي الى تبريد الرؤوس الحامية في الطرفين، فيكون عندها مدخل أوباما "لبداية جديدة" مع العرب والمسلمين بمداواة جرحهم النازف في فلسطين.
