العزيــــز كارابيــــت
"يجب إنهاء وجودهم مهما كانت الوسائل قاسية وأليمة، دون الأخذ في الاعتبار السن او الجنس او اي اعتبار آخر".
طلعت باشا، ايلول 1915
يثأر موضوع الارمن اللبنانيين فقط في الانتخابات العامة. او الفرعية. وينقسم حولهم اللبنانيون الآخرون كما ينقسمون هم عليهم. وبعد ذلك يعود الارمن الى عالمهم الذي ظل طوال عقود، منعزلات اجتماعية وسياسية، وصار الآن اكثر انفتاحاً، ولكن دون اندماج حقيقي في مجتمع مؤلف، في الاساس، من معسكرات وفرق وعشائر.
يعرفنا الارمن اكثر بكثير مما نعرفهم، فنحن مسرح دمى مفتوح، لكل منا مظاهره وعلاماته، في حين انهم مسرح مغلق، فيه الكثير من الصراعات والمعتقدات، لكنه ينتمي الى قضية واحدة، ومأساة واحدة، وخوف واحد، وذكريات واحدة. وقد تقاتلنا بين انفسنا على مر العصور، وهجَّرنا بعضنا بعضاً فيما تقاتل الارمن دائماً مع عدو خارجي، من الفرس الى الترك الى اليونان، قلّص امبراطوريتهم التي امتدت الى سهول سوريا، ثم شتت شعبهم، وفي النهاية انزل بهم الاتراك احدى اسوأ المجازر الجماعية وابشعها في التاريخ، أواخر القرن التاسع عشر ثم اوائل القرن العشرين.
فرَّ ضحايا المذابح في كل اتجاه ممكن: اكثرهم انضم الى جالية ارمنية كبرى في حلب. وذهب الى العراق وايران ولبنان وبعض سوريا، كما ذهب عدد قليل جداً الى الاردن (نحو 10 آلاف) ومصر. اما الاكثرية العددية (نحو ربع مليون في كل منهما) فاستقرت في ايران ولبنان. ونظرا الى حساسية هذا الانتشار وتعقيداته تفادى الارمن التورط في أي نزاع أو صراع محلي، واتفقت احزابهم رسميا عام 1965 على الا "يُقتل أي أرمني في نزاع ليس هو طرفاً فيه". واتقنوا السير على حبال الشرق الاوسط حتى بدء حرب لبنان، عندما طالبتهم الميليشيات المسيحية بالانضمام اليها، فلم يقبلوا، فهوجموا، وحوصروا، وهاجر منهم قسم كبير.
وجد أرمن الشتات بعد ازمات المنطقة في ولاية كاليفورنيا موئلا مريحاً وضامناً. ففي هذه الولاية المزدهرة تجلت مواهبهم الحرفية وطاقاتهم الصناعية. وهناك ايضا برعوا في طلب العلم (أو بالاحرى العلوم) الذي ظل ضيّقاً عليهم ودون طموحاتهم في بلدان المشرق. واذ تخلفت الدولة اللبنانية في خدمة الاسرة الجديدة، أقام الارمن عالمهم من المدرسة الابتدائية الى جامعة هايغازيان التي اطلق طلابها اوائل السبعينات اول صاروخ في فضاء الارز. واقاموا جمعياتهم ونواديهم.
في مقابل التقصير الذي اظهرته الدولة، والمؤسسة اللبنانية في شكل عام، اعطى لبنان الارمن، بحكم الصيغة القائمة على الحرية، ما لم يعرفوه في أي بلد آخر: عدد من المقاعد النيابية يوازي عدد الدروز، وحقائب وزارية، وحق اصدار الصحف باللغة الارمنية، او بأي لغة اخرى، وحق الاذاعات. والأهم من ذلك كله اعطوا الحق في نقل احزابهم – كما هي ودون اي شرط او بند للبننتها – الى هنا. وكان اعتق هذه الاحزاب واقواها، الطاشناق، فيما كان حزب الهنشاك يمثل اليسار الارمني والعلاقة مع السوفيات، صوتا لوضع ارمينيا السوفياتية ضمن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية الراحل.
بعد كاليفورنيا، حدث حدثٌ اشد اهمية في التاريخ الارمني، فقد انهار الاتحاد السوفياتي وباتت ارمينيا – في حدودها الحالية والمختصرة – دولة مستقلة تفتح ابوابها لعودة جميع الارمن في الشتات. وتدفق الارمن من الخارج، وخصوصاً من كاليفورنيا، يحملون خبراتهم وطاقاتهم وحنينهم. لكنهم حملوا ايضا احزابهم وخلافاتها. بارون طاشناق، بارون هنشاك.
وحدث ايضا ما هو اهم من ذلك بكثير. لقد ذهب الرئيس التركي عبدالله غول الى يريفان، وان يكن لم يعتذر عن المجزرة الكبرى. فالاقرار بالمجزرة يرتب على تركيا ان تدفع تعويضات هائلة عن القتل الجماعي، كما دفعت المانيا الغربية تعويضات لاسرائيل.
اذاً، ما هو الذي لم يحدث؟
الذي لم يحدث هو ان الارمن – لاسباب فيهم واسباب كثيرة فينا – لم يتحولوا احزاباً لبنانية حتى في المظهر، فالاحزاب الرئيسية الثلاثة، تحتفل بمناسباتها ومهرجاناتها، وكأنها في أرمينيا: النشيد الوطني الارمني، ثم نشيد الحزب، وبعدها يرفع العتب بالنشيد اللبناني. ولا تزال احزاب الارمن تقترع بموجب تجمعها السكاني، بيروت المتن وعنجر، وليس على انها شريكة في المصير الوطني والوضع العام. ولم يغفر الارمن لدولة ضعيفة وفقيرة ومشكوك في اصلها، انها دفعت بهم بادئ الأمر الى "الكامبات"، هم ولغتهم وآدابهم وشعورهم بالكبرياء والفقر.
ان يقترع الارمني لمن يشاء، هذا ابسط حقوقه. ان يحافظ على تراثه ولغته وإحياء مأساته الكبرى، هذا ابسط حقوقه الانسانية. ولكن عليه ان يدرك، بعد قرن كامل على الانتماء الى الارض التي فزع اليها، ان ثمة قيماً مشتركة، وثقافة مشتركة ومشاعر مشتركة، تربطه ايضاً بوطنه الجديد.
التصويت في الانتخابات مسألة ثانوية جداً، مهما كانت مزعجة للمعنيين او المتضررين. الأهم منها بكثير ان يقرر الارمن، بما لديهم من نخب وحيوية وتعددية علمانية وقيادات دينية – قومية، بالغة التاثير – ان يقرروا الى اي مدى يريدون الانصهار في لبنان كدولة وكوطن. وهم مدعوون، بكل بساطة، الى المحافظة على احزابهم ولكن ايضاً الى الانخراط في الحياة السياسية والوطنية، كذوي حقوق واضحة، مهما كانت المسؤوليات شاحبة أو ملتبسة حتى الآن. ولكن لا يليق بهم وبنا استمرار الحال القائمة مذ اصبحوا مواطنين، اي ان يظلوا مجرد عنصر انتخابي موسمي، كمثل ذوي الجنسيات المركّبة. لم يعد الارمن، منذ زمن، اهل برج حمود واراكس وشرشبوك. هذه احياء مصادفة لا هوية في الجذور. ويجب ان يتذكروا ان الألم ليس حكراً على فريق، كما قال بيل كلينتون في غزة.
لقد تألم بعضنا كثيراً وعميقاً عندما تحول الطاشناق اداة مجانية في مطاردة دماء بيار الجميل الشابة في الانتخابات الفرعية. وقد أهينوا اهانة شديدة عندما دُفعوا الى انتخاب مرشح "مجهول" من قرنة الحمراء لملء مقعد حفيد بكفيا، وما تعنيه في الذاكرة الارمنية. ثم أهينوا أشد الاهانات عندما سحب ذلك المرشح من التداول في الانتخابات العامة، وكأنه يصلح فقط لولاية مقتطعة بالدماء والموت ولا مكان له بعد ذلك في الحزب الذي خاض معركته، او الاحزاب التي ساندته. اين هو بيار الجميل في الوجدان الارمني الآن؟ واين هو، في الوجدان الارمني ايضا، مرشح قرنة الحمراء؟
دعوا القضايا المؤلمة لنا، بارون طاشناق، بارون هنشاك. نحن اعتدنا أن نعتمر قبعة نابوليون ونذهب بها للاعتصام في ساحة عين الطغرة اما انتم، بارون كارابيت، انتم ونضالكم ومواقعكم ووطنيتكم المذهلة، وآلامكم التي لا تموت، انتم، شعب شارل ازنافور الذي تحول من سائق تاكسي لاجئ الى أعذب شخصية في فرنسا، وشعب غولبنكيان، احذق واعتق تاجر نفط، وانتم شعب وليم سارويان، بائع الصحف في فرسنو (ايضا كاليفورنيا) الذي اصبح اشهر مسرحي في اميركا، انتم بارون، كيف ينتخب رجلا لا تعرف اسمه فوق ضريح بيار الجميل؟
تحيرني ايها العزيز كارابيت، كل تلك الآلام وكل ذلك الاستخفاف بآلام جويس الجميل. لماذا؟ ان الجنرال عون "ينتظر نتائج التحقيق" ويعنَّف جميع الضحايا طالبا جواباً فورياً، ويا للأسف، لا يستطيع احد ان يعطيه اياه. اما انت، بارون كارابيت. تذكّر دائماً حكمة سارويان الشهيرة: هذا هو العالم! لا سعادة يا بارون الا في الوجدان ولا هناء الا في السكينة.