لعلّهم لن يخذلونا !
ألحقت الأزمات المتعاقبة منذ عام 2005، وصولاً الى انتخابات 2009، آثاراً شديدة التشويه بمفهوم "الزعامة" اللبنانية وصورتها العامة ولو ان هذا التشويه لم يزدها سوى تمكن وسطوة واقتدار على الامساك بالقواعد الشعبية والطائفية والمذهبية والحزبية. ولم تنج زعامة بفعل الاحتراب الدعائي والسياسي العنيف من الصمود "فوق الغربال"، وفق مروحة واسعة من التشوهات التي يضج بها معجم حافل بالنعوت معظمها واقعي واقلها دعائي مضخم ولا حاجة الى مزيد من استحضاره لفرط ما امعن في تشويه الصورة العامة لزعماء عادوا محمولين بثقل التفويض التمثيلي الذي يشكّل سمة من سمات الغرائب اللبنانية بفعل تسامحه المفرط مع من يصفون بحق "آلهة" السياسة.
ومع ذلك، لا بأس بالتوقف لوهلة عن جلد الذات، وابراز نقطة مضيئة التمعت في ليل الشرق الاوسط عقب الانتخابات اللبنانية الاخيرة. هي فسحة لافتة من دون شك اذا قورنت هذه الانتخابات ونتائجها ومفاعيلها وانعكاساتها بمشهدين اقليميين ملاصقين بل وربما متداخلين مع المشهد اللبناني، احدهما سابق ولاحق يمثله المشهد الاسرائيلي، والآخر مرادف ومتزامن ويمثله المشهد الايراني.
ومفاد المقارنة هنا ان العالم كان يحدق في الاستحقاقات الاسرائيلية واللبنانية والايرانية بالتعاقب ليبني تصوره على أي شرق اوسط مقبل في ضوء هذا الاختبار الثلاثي.
لقد شكل خطاب بنيامين نتنياهو قبل ايام الحصيلة التلقائية المفزعة لحكومة صقور اليمين المتطرف، بما يوازي التمديد عقوداً لحروب اسرائيل على الحقوق الفلسطينية والعربية.
وشكلت الفوضى الايرانية الجارية انفجاراً مثبتاً لـ"الديموقراطية التيوقراطية" سواء تمكن نظام الثورة الاسلامية من قمع الاصلاحيين والمعارضين أو لم يتمكن.
وحده لبنان خرج من هذه المعمعة الاقليمية بطوف النجاة والسلامة، بل بشهادة حسن سلوك مضاعفة الاثر لا بد معها، بواقعية موضوعية، من الاقرار لزعماء الغالبية والمعارضة سواء بسواء بحسن القراءة والدراية والحكمة والتبصر، بل بالتوغل بعيداً في معمودية الديموقراطية التي تفرض الاعتراف بالآخر، رابحاً او خاسراً، منتصراً او مهزوماً، من دون انكار حقيقة تمثيله.
وبصرف النظر تماما عن نتائج الانتخابات، وقبل ان يحتل المشهد الايراني الصورة الاولى في اولويات العالم، وقبل ان يقتحم نتنياهو بطرحه المدمر لمشروع السلام وبقاياه ومبادرات الرئيس الاميركي نفسها، كان العالم يقلب شفاهه اعجاباً بهذه "الديموقراطية المتحضرة" التي استحال معها خطاب المنتصرين في لبنان اكبر علامة مفاجئة على سيادة الاعتدال ومد اليد، وخطاب الخاسرين اكبر علامة مفاجئة ايضا على سيادة القبول بما اختزنته صناديق الارادة الشعبية.
ويمكن اعتبار هذا التطور، بوجهيه، احدى النتائج الحتمية للانتخابات بطبيعة الحال. لكن ذلك لا يقلل اهمية البعد الآخر المتمثل بنضج سياسي وارتفاع جاد في منسوب المسؤولية التي يستشعرها زعماء لم يوفروا وسيلة سلبية في صراع مديد فتحت جبهاته على الغارب مع الشرارة الاولى لحرب الاغتيالات في 14 شباط 2005، وحتى قبل ذلك مع التمديد للرئيس السابق اميل لحود.
يأتي هذا السلوك الجماعي للزعماء اللبنانيين، سواء عن ظروف قسرية او طوعية، ليشكل اول تصحيح جوهري في التشويه العميق لصورة الزعامة المصنوعة غالبا بعناصر العصبية والتعبئة والتطرف بكل اشكاله الطائفية والمذهبية و"الايديولوجية".
لا بل يفترض ان يشكل هذا العامل الطارئ منطلق تبديل جذري في مفهوم الزعامة، ما دام لبنان لم يرق بعد بقوانينه الانتخابية وقواعد اللعبة الطائفية الى مستوى الديموقراطيات الحديثة المتطورة. فالزعماء حين يستحيلون "رجال دولة" في الشارع يبدأ مشروع الدولة بالتحرر والانعتاق والاقلاع. ولعلهم لن يخذلونا هذه المرة.