#adsense

تسويات فقدت صلاحيتها ولم تعد قابلة للاستعمال

حجم الخط

تسويات فقدت صلاحيتها ولم تعد قابلة للاستعمال 

 محاولات التخدير والترقيع والتسويات الظرفية، واللجوء الى اتفاقات تحت ضغط احداث امنية وتداعيات سياسية، واخذ قرارات تحت عامل الخوف على المصير والمستقبل، جميع هذه المواقف التي يلجأ إليها معظم القيادات السياسية، قد انتهت مدتها، ولم تعد صالحة للاستعمال، وبالتالي اصبحت الضرورة قاطعة وواجبة لمواجهة الواقع اللبناني السيئ، والذي يسوء اكثر فأكثر، بسبب عدم التصدّي بشجاعة وفاعلية للمشاكل الضاربة عميقاً في حياة اللبنانيين الوطنية والسياسية، والقول بأن المرض افضل من الموت، والفاقة افضل من الجوع، والاهتزازات الامنية افضل من الحروب، والبعد عن الشر افضل من مواجهته، والامن بالتراضي افضل من الحزم المرتفع الثمن، والقبول بالغلط افضل من تداعيات الحقيقة، انما هو قول لا مكان له عند الشعوب الحيّة، ولا في قاموس الدول ذات السيادة، وهو قول يؤخّر فحسب موت الشعوب والدول، ولا يمنع حصوله، وبالتالي فان الساعي الى وراثة هذه الارض وامتلاكها هو المستفيد من ابقاء لبنان في فوهة البراكين الامنية والسياسية والطائفية، التي تثور بين الحين والاخر لكي تبقى هذه الارض الطيبة اسيرة الفوالق الزلزالية المدمّرة.

بين الامراض الاكثر فتكاً في بنية المجتمع اللبناني، ان يقول قيادي او فريق او طائفة او مسؤول، شيئا ما ويعمل بعكسه، ولو ان الجميع، او الاكثرية الساحقة على الاقل، قالت كلمتها وتمسكت بها، لكان لبنان قد خطا الخطوة الاولى الاساسية، لمسيرة انقاذ ناجحة، بعيداً من الكذب والدجل والباطنية، وانجح مثل يعطى للتعبير عن هذه الحالة المرضية المستعصية، هو عند قيام سياسي او كاتب او محلّل او حتى رجل دين، يطالبون بانصاف طائفتهم او مذهبهم، معددين الاعتداءات القائمة على حقوق هذه الطائفة او تلك، معتمدين في منطقهم، على ان النظام القائم في لبنان هو نظام طائفي ومذهبي بامتياز، بحيث ان جميع دول العالم تعرف فوراً الى مَن ذهبت اصوات هذه الطائفة او هذا المذهب، وعمّن حجبت اصواتها، حتى ان لوائح الشطب والاقلام مفروزة مذهبياً، فيتنطح لهم مذهبيون وطائفيون، من الرأس الى اخمص القدمين، ويعيّرونهم ويتهمونهم بأنهم مذهبيون وطائفيون، وهؤلاء ايّاهم، عندما يدعون الى دولة علمانية مدنية بالكامل، الدين فيها لله والوطن للجميع، يعودون فوراً الى قوقعتهم الطائفية والمذهبية، ويتحصّنون فيها لجولة اخرى من جولات الوجهين واللسانين والموقفين.

* * * * *
البطريرك صفير، وهو المرجعية الروحية للطائفة التي كانت سبب وجود لبنان الدولة في حدودها الحالية وشعبها المتنوع المتعدد، عندما يرفع الصوت محذّراً من مخططات واهداف لتغيير وجه لبنان، وعندما يدعو الى حكومة تجمع اللبنانيين حول وطنهم ودولتهم، وعندما ينادي بضرورة قيام احزاب مختلطة تضم المسيحيين والمسلمين، وعندما يؤكد ان لا مستقبل أمام اللبنانيين بعيداً عن السلام والاستقرار والتعاون، هل يكون يفتش عن مصالح المسيحيين وحدهم، أم انه يحمل هموم كل اللبنانيين، دونما تفرقة او تمييز بعكس كثيرين غيره، ومع ذلك ترتفع اصوات النشاز من كل جانب، وفي شكل خاص عند فريق محدد من المسيحيين، اغلب الظن انه باع نفسه الى الشيطان، تهاجم البطريرك صفير، وتنعته امّا بالطائفية واما بالفئوية، الى درجة ان بعض نواب كسروان اعتبروا ان نجاحهم في الانتخابات، هو انتصار على بكركي، ودعوها الى اخذ العبرة من ذلك، وان قياديا مسيحيا صنّف المطارنة بين «أوادم» وبين غير «أوادم» حتى لا نقول تعبيراً آخر، وان نواباً مسيحيين وغير مسيحيين يزهون كالطواويس على أنهم انتصروا على رئيس البلاد في عقر داره، وهو الذي يعتبر ان لبنان كله داره ومنطقته وبلدته، هؤلاء جميعا وبعض حلفائهم، يعيشون حالة متقدمة من انفصام الشخصية، فهم احيانا مستنسخون من «دكتور جيكل» واحيانا من «مستر هايد»، ومع ان الشعب لقّنهم درساً قاسياً وواضحاً في الانتخابات النيابية قياساً على ارقام العام 2005، الا ان المكابرة الفارغة ما زالت اسلوبهم الوحيد في التعامل مع المستجدات التي تؤسس الى مستقبل لا مكان لهم فيه.

* * * * *
طالما اننا في بلد تقوم حياته في كل ميدان ومجال على الطائفية والمذهبية، وهذا بالطبع امر خاطئ ومرفوض، ويجب ان يحلّ محلّ هذا النظام الطائفي، نظام الانسان اللبناني، بصرف النظر عن طائفته ومذهبه، ولكنه واقع معيوش، ويتنفسه الكبار والصغار على السواء، والى ان يقبل الجميع في الانخراط بعيش واحد حقيقي غير مزّيف ولا مرتهن لطائفة او حزب او دولة او دين او قوانين غير مدنية، سيبقى من حق كل انسان ان يفتش عن حقوقه التي كفلها له الدستور والقوانين والاعراف، دونما خجل او تردد او مسايرة، ومن هذا المنطلق وحده، منطلق المصارحة والصراحة يجب ان توضع على الطاولة جميع القضايا الخلافية وتتم مقاربتها بشجاعة وصدق ومن دون كفوف، مهما كان ثمن هذه المواقف عالياً.

المصدر:
الديار

خبر عاجل