"الديموقراطية التوافقية" ليست حالة "مؤقّتة" كي يؤجّل التداول والفصل بين السلطات إلى ما بعدها
الحلّ في حصر المعارضة بطاولة مجلس الوزراء
ليس سليماً القول إنّ الديموقراطيّة اللبنانيّة "محكومة بالتوافق"، كما لو كان التوافق شرّاً لا مناص منه، وكما لو كان التوافق علاجاً مؤقتاً من الضرورة طرحه بعد أوّل إنتخابات "خارج القيد الطائفيّ".
الأصح القول إن الديموقراطيّة اللبنانية "مبنية على التوافق"، أيّ أنّ التوافق هو الركن الأساسيّ الذي تنهض على أساسه هذه الديموقراطيّة. فإن جرى الإقرار بذلك اكتسب التوافق معنى أصيلاً، يقترب من فلسفة الكيان اللبنانيّ. هذا الكيان يقوم على الثنائية الإسلاميّة المسيحيّة، إذ إنّه ليس من البديهيّ أبداً أن ينجح المسلمون والمسيحيّون في بناء دولة واحدة تكون مسلمة للمسلمين ومسيحية للمسيحيين وتبقى في ذاتها محايدة وموحّدة، لكنّه التحدّي التاريخيّ الذي انبثقت الفكرة الكيانية اللبنانية على أساسه. هذا هو العمق الحقيقيّ للصيغة التوافقية اللبنانية، ولو جرى طمس هذا العمق لفقدت الصيغة التوافقية حقيقتها.
بهذا المعنى تصير "الديموقراطية التوافقية" صنو الميثاق والمناصفة ولا تفهم خارجهما. ليست حالة "مؤقتة" يعفي النظام السياسيّ نفسه منها عند إلغاء "الطائفية السياسيّة"، لأنّ تطوير أو تخفيف القيود الطائفية شيء، وتجاوز جوهرية الثنائية الإسلامية المسيحية التي هي علّة وجود واستمرار لبنان شيء آخر تماماً.
في الوقت نفسه، ليس هناك من صيغة ثابتة لممارسة "الديموقراطية التوافقية"، إنّما هناك قواعد دستورية ثابتة تحمي هذه الديموقراطية، وتلخّص هذه القواعد في أنّ الديموقراطية التوافقية اللبنانية شكل من أشكال الديموقراطية البرلمانية، وأنّ التوافقية ينبغي أن لا تحول دون تداول السلطة، بل على العكس أن تشجّع على هذا التداول، وينبغي أن لا تعطّل قاعدة الفصل والتعاون بين السلطات، بل أن تفعّل هذه القاعدة.
وكي يتأمّن ذلك لا بدّ أن يكون التوافق توافقاً بين أكثريّة برلمانيّة وأقليّة برلمانيّة، وشرطه إفساح الأكثرية المجال للأقلية لأن تشارك على قاعدة نبذ التعطيل، وعلى أساس سقف معقول لمشاركة الأقلية، وهذا السقف يكون بأن تلعب الأقلية دوراً يتراوح بين "المحاصصة" وبين ممارسة دور "حكومة الظلّ" داخل الحكومة نفسها، وليس أبداً أن تلعب الأقلية دور الوصيّ على الأكثريّة.
في التجارب الديموقراطية غير التوافقية، تعارض المعارضة من البرلمان ومن الشارع. في المقابل، إذا أرادت المعارضة المشاركة الحكومية في تجربة ديموقراطية توافقية، فلا يمكنها أن تبقى تعارض من البرلمان ومن الشارع. هذا البعد بالتحديد لم يناقش بشكل جديّ بعد، ولا بدّ أن ينال حظّه من جملة ما يطرح على الطاولة اليوم. من يريد "المعارضة من داخل الحكومة" عليه أن يخفف إلى حدّ كبير من الأشكال الأخرى من الإعتراض، خصوصاً تلك الخارجة عن المؤسّسات، ومن الأفضل لـ"المعارضة من داخل الحكومة" أن تحصر إعتراضها بطاولة مجلس الوزراء، فلا تكون من حاجة بعد ذلك لخطباء التوتير والأصبع الزاجر. من الأفضل أن تطول جلسات مجلس الوزراء ساعات إضافيّة، فتؤدّي المعارضة الحكومية دورها بأكمل وجه، فتحاول أن تفحم وتقنع وأن تستفيد من الإنقسامات داخل الفريق الأكثريّ بشأن ملف من هنا أو هناك، على أن تفقد المعارضة تركيزها وتوزّع أنشطتها داخل وخارج الحكومة، وداخل وخارج المؤسسات.
قد يكون مفهوم "المعارضة الحكومية" مستهجناً في البلدان الملتزمة بمبدأ "أكثرية تحكم وأقلية تعارض"، إلا أنّه يمكن أن يصير مفهوماً إيجابياً بالنسبة إلى الديموقراطية التوافقية، وفي وضع لبنان تحديداً، إذا ما حُصرت المعارضة بمجلس الوزراء، فحينذاك يعفى البرلمان من أن يكون الميدان الرئيسيّ للمنازلة بين الأكثريّة والأقليّة، ويتمكّن رئيسه من إعادة تكريس دوره التوافقي، في حين يتمكّن الأعضاء من مضاعفة الإنتاجية التشريعيّة، خاصة وأنّ البلد بحاجة إلى ورشة إصلاحيّة تحديثية للقوانين كما شدّد على ذلك رئيس الجمهورية في الفترة الأخيرة.
إن حصر "المعارضة" بطاولة مجلس الوزراء من شأنّه أن يشجّع أجواء التهدئة والمصالحات الأهليّة في البلد، وبالتالي سينعكس ذلك إشراقات وإبتكارات على طاولة الحوار في ما يتعلّق بتوليد مقاربات جديدة للقضايا العالقة، وفي طليعتها مسألة السلاح.
ثم انّ حصر "المعارضة" في بعدها الحكوميّ فقط سوف يحرّر البلد من سلطة "تلفزيون الواقع". منذ أربع سنوات والحياة السياسية اللبنانية سجينة لعبة "تلفزيون واقع" رهيبة، ولم تكن الشعارات التي طرحت عشية الإنتخابات، من جانب 8 آذار، مثل "إعادة تكوين السلطة" وإحلال "جمهورية ثالثة" مكان الطائف، إلا من قبيل التمادي في لعبة "تلفزيون الواقع" التي يصير فيها كل ما هو متلفز واقعا، وكل ما هو واقع متلفزا.
في المقابل، فإنّ حصر أشكال الإعتراض بطاولة مجلس الوزراء وتكريس طاولة الحوار الوطنيّ لبحث المسائل العالقة يمكنه أن يعيد الإعتبار للمساحات الهادئة، الكواليسيّة، الواصلة، المتفلتة قدر الإمكان عن "تلفزيون الواقع" والشاشات العملاقة والشعبويّة "اللافسادية" الفاسدة، مثلما يمكنه أن يشعر كل باحث عن ضمانة أهليّة أو أمنيّة عن ضالته.