توجهات مقترحة لخطوط حمر حقيقية
المحامي جورج ابو صعب
على بعد ايام من انتهاء ولاية المجلس النيابي الحالي وعلى بعد اسابيع من اطلاق العجلة الحكومية الجديدة المتوقعة بعد تشكيل اول حكومة ما بعد الانتخابات النيابية وانطلاقا من تجارب الماضي وحرصنا على عدم تكرار مساوئه، سيما وان الاكثرية الفائزة اليوم مدعوة اكثر من عام 2005 الى اثبات كل ما وعدت مناصريها ومؤيديها والشعب اللبناني الذي منحها الثقة مجددا. واهم ما وعدت به العبور الى الدولة، وهو الشعار الذي نحرص عليه كلنا اليوم حرصنا على مبادئ ثورة الارز وانتفاضة الاستقلال .
من هذا المنطلق وفي ضوء حرصنا على نجاح مسيرة الاكثرية التي ننتمي اليها نرى من واجبنا تسجيل بعض الاقتراحات التي نضعها برسم القادة في 14 اذار ضنا منا بمصداقية ونجاح المسيرة الجديدة لثورة الارز ووفاء لثقة الشعب الغالية بنا .
اولا : نرى قبل اي شيء ضرورة ان تتمسك الاكثرية اعتبارا من الان بالدستور والطائف في قيادة البلاد، فلم يعد مسموحا هذا النمط او الاسلوب الانقلابي لدى 8 اذار الذي يحاول كل فترة وبعد كل استحقاق ان يبتكر قواعد ومفاهيم ابعد ما تكون عن مبادئ النظام الدستوري اللبناني واسس الطائف: كمثلا الاستمرار في بدعة الثلث الضامن او المعطل. فحسنا قال الرئيس السنيورة من القاهرة بان الثلث المعطل مخالف للدستور لانه كذلك فعلا، بالاضافة الى بدعة العماد عون حول التمثيل المسيحي له في الحكومة. وهي هرطقات دستورية تضرب النظام من الداخل وتمعن في اطالة وتجدد الازمات كلما رأت المعارضة نفسها في مأزق تجاه الاكثرية .
فمن يريد المشاركة في الحكم عليه ان يعود الى نصوص الدستور التي تضمن تلك المشاركة من خلال مبدأين :
1- مبدأ البرلمانية الدستورية : الذي يجعل كل اللبنانيين ممثلين عبر مجلس النواب : فهنا تكون المشاركة لان تحت قبة البرلمان كل الاحزاب والقوى والطوائف والمذاهب والتيارات ممثلة بنوابها. ولان تحت قبة البرلمان تطبخ قرارات الدولة في التشريع والمراقبة البرلمانية والمحاسبة وصولا الى اسقاط الحكومة التي تعمل بثقة الشعب المعطاة لها من هذا الشعب الممثل بنوابه.
فالمشاركة الفعلية هي في مجلس النواب وليست في مجلس الوزراء، كما يمكن ان تكون في مجلس الشيوخ الذي نص عليه الطائف والذي نرى من الاولويات
الاساسية على الحكومة العتيدة ان تعمل مع المجلس النيابي على اقراره كبند اساسي في اي بيان وزاري سوف يطرح .
2- مبدأ تعزيز وتقوية المؤسسات الدستورية : فكفى تلاعب بالرئاسة الاولى، فهي ما هي وما نص الدستور على ان تكون عليه. فالرئاسة الاولى الحكم والحاكم عبر مجلس الوزراء والصلاحيات المحددة له في الدستور. والرئاسة الثانية ليست مطوبة للرئيس نبيه بري، اذ في الطائفة الشيعية الكريمة كفاءات وطاقات زاخرة بالعطاء والتضحية للبنان. فالرئيس بري، مع كل الاحترام لوسطيته من بين المعارضين الا انه فتك على طريقته بالحياة البرلمانية واقفل المجلس النيابي لاكثر من سنة، وعرقل اعمال الدولة وساهم في شل البلاد وقدرة المؤسسات الدستورية على الحكم، وساهم في عرقلة انتخاب رئيس للجمهورية. فبمثل هذه الحصيلة لا نرى من الحكمة اعادة منحه شرف الرئاسة الثانية ثانية .
ولكن وان كان ثمة ضرورات تبيح المحظورات، وان كان لا مفر من اعادة انتخابه فنرى ان يلتزم للاكثرية بدفتر شروط ليس اقله الالتزام على نفسه ببعض نصوص النظام الداخلي للمجلس النيابي : كمثلا التزامه بالمادة (6) منه والتي تكرس صلاحيات نائب الرئيس في تولي صلاحيات الرئيس في حال غيابه او عند تعذر قيامه بمهمته، وكذلك التزامه بان يطبق عليه شخصيا بصفته النائب الاول بين اقرانه بالمادة (44) منه والتي تعتبر عضو المجلس مستقيلا حكما في حال التغيب عن حضور ثلاث جلسات متوالية من دون عذر شرعي، والتزامه باحترام المادة (54) منه لجهة صلاحيات نائب الرئيس بتعيين مواعيد الجلسات وتطبيق جدول الاعمال وضبط ادارة الجلسات وادارة المناقشات، بالاضافة الى التزامه بمبدأ التخلي عن ادارة الجلسات اذا اراد ان يعبر عن رأي خاص بموضوع ما مطروح على المجلس بحيث ينبغي عليه الجلوس على مقعده النيابي لتلاوة رايه ثم العودة الى كرسيه كرئيس للبرلمان لمتابعة ادارة الجلسة .
والرئاسة الثالثة عليها ان تثبت مؤسساتيتها القانونية والدستورية وان يبت موضوع نيابة الرئاسة فضلا عن تطوير النظام الداخلي لاعمال مجلس الوزراء بما يضمن الانسجام الداخلي للحكومة والانضباطية في ممارسة الوزراء لمهامهم .
ثانيا : كما نرى ان على الحكومة الجديدة ان تضع نصب عينيها موضوع استكمال تطبيق بنود اتفاق الطائف ولا سيما :
– الغاء الطائفية السياسية : من خلال اطلاق الالية المنصوص عليها في اتفاق الطائف والزام مجلس النواب ورئيسه العتيد بالتعاون في ذلك كليا .
– اقرار الخطوات الاولى لقيام مجلس شيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية : فهذا المجلس يدعم المشاركة الوطنية الجامعة ويدعم اساس الوحدة الوطنية، وبه تصبح قضايا المصير كاعلان الحرب والسلم من صلب المشاركة التي يقتضيها الوفاق الوطني .
– اقرار اللامركزية الادارية الموسعة وفقا لما جاء في اتفاقية الطائف واعادة النظر في التقسيمات الادارية كشرط مسبق لقانون انتخابات حديث ونسبي من ضمن المناصفة المسيحية الاسلامية .
– تفعيل المجلس الاقتصادي والاجتماعي للتنمية وتزويده بالعناصر الكفوءة والمال والامكانات وتوسيع صلاحياته الاستشارية وجعلها في سياسات الدولة العليا ملزمة .
– تطبيق قرارات طاولة الحوار الوطني عام 2006 لجهة البت بموضوع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات تحت بند بسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل الاراضي اللبنانية .
– تنقية العلاقات اللبنانية – السورية من الشوائب وفي مقدمتها اطلاق دينامية الغاء او تعديل الاتفاقات والمعاهدات الثنائية التي لم تعد تنسجم مع سيادة واستقلال الدولة اللبنانية – وتطوير ما يثبت كونها لصالح الدولة وتأمينا لمصالحها العليا – بالاضافة الى تعزيز العلاقات الندية والتعاون والتبادل في كافة المجالات التي تهم الدولة اللبنانية ومصالح الشعب اللبناني وفق برنامج وأجندة اولويات والغاء المجلس الاعلى .
– اطلاق الية دولية واقليمية سياسية وديبلوماسية من أجل استكمال تحرير ما تبقى من الارض اللبنانية في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وضيعة الغجر ووقف الاعتداءات الاسرائيلية على أجواء ومياه لبنان بضمانات دولية فعلية وقوية .
فهذه الاولويات كلها افقية وهي غيض من فيض – فلم ننس اولوية الاولويات الا وهو الوضع الاقتصادي والمعيشي والحياتي – وتحسين وتطوير ظروف حياة اللبنانيين الذين وثقوا بباريس 1 وباريس 2 وباريس 3 – فلم يعد ممكنا على المعارضة ان تضغط او تعرقل عجلة الدولة والبناء والانماء والتنمية بعد اليوم .
ثالثا : ما من أحد ضد التوافق والوفاق الوطني – وما من مواطن عاقل لا يريد ان يرى زعماء البلاد متوافقين ليستطيع ان يضمن بقاءه ومستقبله في هذا البلد – ولكن بين ان نمد الايدي وننفتح على الشريك الاخر في الوطن على حساب مبادئ النظام والدستور واتفاق الطائف او ان نحافظ على توازن النظام السياسي الدقيق ولو على حساب تقارب أني او مناورات تصالحية غير مضمونة النتائج – فاننا نفضل الخيار الثاني لانه اذا سقطت الجمهورية ستسقط على الجميع ولن يعود ثمة ما نتناقش او نتناحر عليه .
من هنا نرى ان البدع التي تطلقها قوى 8 اذار من ثلث معطل الى تمثيل في الحكومة للعماد عون بنسب معينة الى موضوع المثالثة وسواها في تشكيل الحكومات وسواها من نظريات غير علمية ومخالفة لطبيعة واسس النظام السياسي والدستوري اللبناني – كلها يجب ان لا نتماشى معها بعد اليوم – فلا نستطيع ان نفهم كيف يكون المرء في الحكم والمعارضة معا ؟ فمبدأ التضامن الوزاري يفرض على الوزير ان يتضامن مع حكومته في القرار والمسؤولية ولو لم يكن مؤيدا شخصيا للقرار او الرأي – بينما الاخوة في 8 اذار لا يزالون يتكلمون عن ثلث معطل او ضامن يضمن لهم نسف الحكومة والمؤسسات من الداخل عند احتدام الصراع – فهذه التجربة غير دستورية وغير قانونية وشرعية وغير قابلة للحياة اذا اردنا فعلا وارادت فعلا المعارضة ان تسمح لحكومة الاكثرية بان تبين ما تستطيع ان تحققه للشعب الذي انتخبها .
فاذا قبلت الاكثرية بالعودة الى ما تمت تجربته سابقا تكون قد ارتكبت خطأ فادحا من الصعب التسامح معها – فاذا كان المطلوب الانفتاح والحوار ومد اليد للشريك الاخر لحل القضايا الشائكة بالحوار (وهذا ما نشك باستعداد المعارضة على تحقيقه بدليل تصاريح الوزير المنتخب سليمان فرنجيه اليوم بموضوع الثلث المعطل والاصرار عليه ) – فمرحبا بذلك لا بل هذا اقصى ما يتمناه اللبناني – ولكن الامل كل الامل في قيادات الاكثرية بان تعرف اين تبدأ والى اية حدود تقف امام مناورات ومحاولات سوف تقوم بها الاقلية لافراغ انتصارنا الكبير في الانتخابات من اي مضمون سياسي على المدى المتوسط والبعيد .
اللهم اشهد انني بلغت …