بعد انسحاب نوفل واتهام الرئيس سليمان بالتدخل
الطاشناق و"حزب الله" قرّرا التصويت لعون
لأصوات الأرمن، وتحديدا حزب الطاشناق، في كل انتخابات قصة. فعندما كانت مرجعية هذا الحزب اميركية خصوصا وغربية عموما كان يدعم دائما لوائح السلطة، كل سلطة، ويرجح كفة الفوز لها خصوصا في الاشرفية وفي المتن الشمالي، بحيث اصبحت صناديق برج حمود مشهورة ويفوز بالتالي مرشحوه على هذه اللوائح بحيث صار الحد من تأثير الصوت الارمني عند تقسيم الدوائر في عهد الرئيس كميل شمعون وبات محصورا في الدائرة التي يشكل فيها الارمن الغالبية.
وعندما اصبحت مرجعية حزب الطاشناق ايرانية ولم يعد ملزما دعم لوائح السلطة اذا لم تلتق سياستها وسياسة هذه المرجعية، اخذ الحزب يدعم اللوائح التي تسير في الخط الايراني، وهو الخط الذي التقى فيه مع "حزب الله" و"التيار الوطني الحر"، وكما كانت حجة العماد عون لتبرير انقلابه على شعاراته، ان قوى 14 آذار تخلت عنه وشكلت تحالفا رباعيا ضده وفضلت ان يتمثل الرئيس اميل لحود في الحكومة على ان يتمثل فيها "التيار الوطني الحر"، ونجح في استثمار سياسة عزله شعبيا فاكتسح عددا كبيرا من المقاعد النيابية في تلك الانتخابات، فان حزب الطاشناق برر تغيير خط سيره بالقول في مجالسه الخاصة انه يخشى على الجالية الارمنية في ايران والى حد ما في سوريا، من أن تساء معاملتها اذا صار التحالف مع 14 آذار…
الواقع ان لا "التحالف الرباعي" جعل العماد ميشال عون يتخلى عن قوى 14 آذار، مع انه استفاد سياسيا من قيام هذا التحالف، ولا استبعاده عن تمثيل تياره في الحكومة، لانه سبق كل ذلك اتفاق بات معروفا ومعلوما من الجميع، عقده عون في باريس وكان شرطا لعودته الى بيروت، يقضي بعدم تحالفه مع الحريري ولا مع جنبلاط في انتخابات 2005، وهو ما حصل فعلا، عندما اخذ العماد عون يرفع سقف مطالبه للحؤول دون حصول اتفاق معهما وبعدما اختار خطه السياسي وانتهى الامر ولم تعد اي وسيلة تنفع في اقناعه بالرجوع عنه.
وعندما انسحب النائب ميشال المر من "تكتل التغيير والاصلاح" لاسباب أعلنها، ظل تحالف "حزب الطاشناق" معه قائما، ولم ينسحب خروج المر من التكتل على تحالف قديم قائم بينهما، وعند تشكيل لائحة "الانقاذ المتني" اشترط حزب الطاشناق على النائب المر عدم ترشيح اي ارمني على لائحته والا اضطر الحزب الى عدم التصويت له. عندها سعى المر جاهدا لدى حلفائه في اللائحة الى الموافقة على طلب الطاشناق، وتألفت اللائحة من دون مرشح ارمني، فكان النائب اغوب بقرادونيان اول مرشح يفوز بالتزكية، وكان الدافع الى ذلك اعتقاد المر وحلفائه في اللائحة ان فوز بقرادونيان بالتزكية قد يحد من اقبال الاصوات الارمنية المنتمية لحزب الطاشناق على صناديق الاقتراع بحيث يصير اقبال الناخبين الآخرين على هذه الصناديق كافياً لضمان فوز اللائحة بكاملها.
لكن حساب الحقل لم يطابق حساب البيدر، فعوض ان يقل عدد اصوات ارمن الطاشناق نتيجة فوز النائب بقرادونيان بالتزكية، زاد عن كل تقدير، خصوصا من جاء بهم الحزب من الخارج.
وقال النائب بقرادونيان ردا على المؤتمر الصحافي للنائب ميشال المر الذي شكك في صحة اصوات الارمن، متسائلا عما اذا كان في الامر تزوير ام تلاعب بالقيود، إنه ابلغ المر قبل اسبوع من موعد الانتخابات عن حصول تململ في الشارع الارمني فصار شطب اسمه لاسباب يعرفها المر… ومن دون أن يفصح عنها. غير ان الامين العام للحزب هوفيك مختاريان جاء على ذكر بعضها مكررا: "نحن كنا حذرنا من ان المزاج الارمني غير متحمس للتصويت للمر لانه مستاء من طريقة تصريحاته وادائه وخروجه من "تكتل التغيير والاصلاح" وراح يتعاون مع الاحزاب الاخرى".
واضاف: "وفي يوم الانتخابات بدأت تصله اصداء ان بعض مناصرينا يرفضون اخذ اللائحة ان كانت تضم اسم ميشال المر ومن كان يأخذها يشطب اسمه. ولاننا لمسنا ايضا خطرا على لائحة "الانقاذ والتغيير" تركنا مناصرينا ينتخبون وفق ما يشاؤون… كي لا نعرّض لائحة العماد عون للخسارة… فأعطوا المر 2200 صوت و6800 للرحباني و2600 لمخيبر.
لكن منذ متى كان حزب الطاشناق لا يلزم محازبيه ومناصريه بالتصويت لمن يريد، ولا ينقاد لأمزجة بعضهم؟ وكيف يتغير المزاج الارمني بين يوم وآخر ويصبح ضد المر لان تصريحاته لم تعجب بعضهم مع ان هذا المزاج لم يتغير ولا مرة وعلى مدى خمسين سنة من التحالف بين المر والطاشناق، فالمر هو هو في ادائه السياسي وتصرفاته وتصريحاته.
وتبدو الحقيقة هي التي نطق بها مخيتاريان وهي: "اننا لمسنا خطرا على لائحة العماد عون فتركنا لمناصرينا ان ينتخبوا وفق ما يشاؤون".
اما الحقيقة الاخرى في رأي المتابعين لمجرى الانتخابات في اكثر من دائرة، فهي ان المزاج الطاشناقي ومزاج "حزب الله" تغير عندما انسحب المرشح اميل نوفل لمصلحة لائحة ناظم الخوري وفارس سعيد في دائرة جبيل، واتهم الرئيس ميشال سليمان بانه كان وراء هذا الانسحاب، عندها جاء الرد، وبقرار من "حزب الله" وحزب الطاشناق بان تصب اصوات الحزبين بكاملها للوائح العماد ميشال عون وتحديدا في دوائر: جبيل وكسروان والمتن وبعبدا وجزين، وكان لهذا القرار تأثير حتى على اصوات الشيعة التي كانت تقترع في كل انتخاب لبيت ناظم الخوري ولبيت الدكتور فارس سعيد، ولمرشحي كسروان: فارس بويز وفريد هيكل الخازن ومنصور البون، ولم يصمد مع المرشح ميشال المر في المتن سوى اصوات الارمن الخلّص له. حتى ان هذا القرار لم يستثن المرشح سمير عازار في جزين حليف حليف "حزب الله"… فصار التصويت لمنافسيه.
الى ذلك، ان ما كان يهم الصوت الطاشناقي وصوت "حزب الله" هو تأمين فوز لوائح العماد ميشال عون في الانتخابات وتجيير كل اصواتهما له كي يظل حزب الله يحظى بالغطاء المسيحي المطلوب، ويتأمن بالتالي فوز قوى 8 آذار والمتحالفين معها بالاكثرية النيابية فتنطلق عندئذ حركة التغيير في لبنان الى المنطقة كما اعلن الرئيس الايراني نفسه محمود احمدي نجاد.
هذه هي الحقيقة التي لا علاقة لها بالمزاج الارمني الذي تغير من النائب ميشال المر قبل ايام من موعد الانتخابات، مع انه لم يتغير منه ولا مرة في اي انتخاب منذ خمسين سنة.