قوانين معدلة مكررة لـ"الانتقام".. ومشاريع "وهمية" للنهوض
متى تقارع السياسة "العونية" الحجة بالحجة؟!
أهم ما أدت إليه الانتخابات النيابية في 7 حزيران، أن الشعب اللبناني "حُرم" من رؤية "التغيير والإصلاح" يتربع على عرش الأكثرية الشعبية.
في السنوات الأربع الأخيرة، لم يخضع نواب هذا التكتل إلى امتحان فعلي إلا نادراً، والسبب في ذلك الاستراتيجية "العونية" في التعاطي مع الأحداث والتي على كل من يعلن ولاءه للتيار أن يدرك كامل تفاصيلها، بشكل يخوله أن يتحدث ويواجه ويناقش.
عرف العونيون في الفترة الماضية أكثر من غيرهم كيف يصوبون باتجاه الآخرين من دون أن ترتد عليهم هذه السهام بأي طريقة من الطرق، وفي إدراكهم أن هذا الأسلوب في التعاطي يوفر مشقة مواجهة الحقائق كما هي، فاتبعوا استراتيجية واضحة تصلح عادة في لعبة كرة قدم، قائمة على مبدأ "أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم".
تعلّم "الإصلاحيون" الدرس مبكراً، فكانت البداية في مطار رفيق الحريري الدولي عندما استشاط الجنرال العائد من فرنسا غضباً موجهاً أقسى التعابير بحق الصحافيين لأنهم "عجقوها" عليه. توالت تصرفات النائب ميشال عون هذه، وزادت حدتها لا سيما بعد الانتخابات النيابية ودخوله البرلمان على رأس كتلة "حرزانة"، فأصبح ممنوعاً على الصحافي أن يسأل، وإن سمح له بذلك، فعليه ألا يتخطى الحد المسموح به، وضمن مبدأ عدم إحراج الجنرال بأسئلة لا يستطيع الإجابة عنها.
في السنوات الأربع الماضية كان تكتل "التغيير والإصلاح" يجاهر بكونه يمثل 70% من الرأي العام المسيحي، فضلاً عن تأييد جمهور 8 آذار الذي أصبح في مكان ما يفضل "الجنرال" على بعض قياداته وإن لم يسمح لهذه الظاهرة بالخروج إلى العلن، ولكن السؤال، ماذا فعل لهذا الرأي العام؟ وماذا قدم له في هذه الفترة الطويلة؟ ولماذا أصرّ على سياسة "طمس" الحقائق أمام جمهور المؤيدين؟ وأكثر من ذلك، لماذا هذا الاستخفاف بعقول من ادعوا أنهم يمثلوه، فاستكثروا عليه أن يضعوا أمامه برنامجاً واضحاً بعيداً عن شعارات محاربة الفساد والمفسدين؟.
لعبة غير متقنة
في أربع سنوات، نجح نواب "الإصلاح" في لعبة الهجوم، ولكنهم في الوقت نفسه فشلوا تماماً في مهمة "الدفاع"، ليس لأنهم لا يجيدون "الكلام" أو الرد، بل لأنهم بكل بساطة تعودوا طرح العناوين التي تجذب الرأي العام من باب اللعب على أوتار معيشية وطائفية من دون أن يكون لديهم دليل حسي ومادي حول المشاكل التي يطرحونها والاتهامات التي يرمونها يميناً ويساراً، ولعل أبرز مثال على هذا الفراغ الذي عانى ويعاني منه "التيار"، شعار الجمهورية "الثالثة" قبيل استحقاق 2009.
في أربع سنوات أيضاً، محطات عدة طبعت ذاكرة اللبنانيين جميعاً، تصف بدقة الأسلوب "العوني" السلطوي، منها هجوم "جنرال الرابية" على الصحف لمجرد أنها انتقدت ممارساته، ولم تسلم منه سوى الصحف الموالية لسياسته، وكأن المطلوب من الصحافة أن تكون وسيلة تسويق وتبتعد عن مهمتها في توعية الرأي العام عن كل ما هو خطأ في بلاد "الصح".
تهويل وتهديد ونبرة عالية، وكأنهم هم فقط أصحاب الحق في كل ما يتحدثون ويتناولون. ونذكر كيف تصرف النائب ابراهيم كنعان في حلقة تلفزيونية عندما واجهه النائب مصباح الأحدب بالحقائق فتحول هدوؤه إلى صراخ وتهديد. وما قام به النائب نبيل نقولا في مجلس النواب عندما لم يجد سبيلاً للدفاع عن حليفه في "حزب الله" سوى أن يرمي النائب انطوان اندراوس بقنينة مياه، في إحدى تجليات الحضارة التي ينادي بها التكتل "الاصلاحي".
وجوه أخرى!
من الأمثلة الكثيرة أيضاً، ما قدمه اخيراً النائب كنعان في برنامج "الفساد"، والوجه "الآخر" لرجل القانون الذي يفاخر دائماً بأنه ممثل الشعب، فبغض النظر أين الحق وعلى من، فإن رد الفعل الذي قام به النائب "الاصلاحي" أقل ما يقال فيه انه لا يعبّر عن "برلماني"، ولا حتى عن رجل يتعاطى الشأن العام، ولعلّه المثال الأنجع لانكشاف أصحاب الشعارات قلباً وقالباً.
نموذج جديد ظهر به النائب ميشال عون على اللبنانيين أول من أمس، يؤكد سياسة التيار، ولم يسلم منها المراقبون الدوليون الذين اتهمهم بالفساد والرشوة، لماذا؟ لا أحد يعلم، على الأرجح هي سياسة تبرير الخسارة. أكثر من ذلك رب سائل عن المفاهيم التي تحدث بها "جترال الرابية" اخيراً، فهو وإن أعلن على مضض أن الرئيس نبيه بري هو مرشح المعارضة لرئاسة المجلس، الا أن المستغرب أنه طالب رئيس "المستقبل" ببرنامج حكومي من دون أن ينسحب ذلك على حليفه بري، وهو يستطيع أن يتهم الناس بالرشوة في البقاع الغربي وفي زحلة، ولكنه بالتأكيد لا يعلم إلى أي طينة ينتمي هؤلاء، فهو لا يذكرهم إلا موسمياً.
تهرّب عون كعادته من الرد على الأسئلة التي تحرجه، فهو لا يستطيع أن يبرر رد فعل نائبه ابراهيم كنعان، وأيضاً لا يعنيه أن يطلق سراح قاتل الطيار سامر حنا، لأن تفاهمه مع "حزب الله" لا يخوّله بحث المحظور إن أراد. أهمّ ما نطق به عون في إطلالته مقولة "الغضب مقدس"، وهي بالتأكيد مقولة تتحكم بتصرفات كل من في تياره وهذا ما تؤكده الوقائع إلى يومنا هذا، وقدسية الغضب هي في نظرهم الوسيلة الوحيدة للاستمرار.
تخريب الدولة
أما السؤال الأهم عن الفريق الذي كان في الأقلية وبقي في الأقلية برغم كل محاولات "الترقيع" والدعم التي حاول من خلالها حلفاؤه أن يحافظوا له على صورة "مميزة"، كسرها اللبنانيون بأنفسهم في 7 حزيران، هو كيف كانت لتكون صورة مجلس النواب في حال كانوا هم الأكثرية؟.
بالتأكيد ان الحال لن تكون كما هي عليه اليوم ولا غداً، بل الصورة التي ستفرض نفسها في قصر الشعب كانت لتكون على الشكل التالي: قوانين معدلة مكررة للانتقام، مشاريع وهمية للنهوض، أما في الأداء، فالجلسات على شاكلة مداخلة نائب "إصلاحي" في برنامج تلفزيوني.
في الأداء الذي قدمه نواب "التغيير والاصلاح" خلال السنوات الأربع الأخيرة، يرى النائب مصطفى علوش أن السمة البارزة فيه، هي "إطلاق الاتهامات المفتوحة ضد قوى 14 آذار والتسلح بمنطق الاصلاح ومحاربة الفساد، في وقت هم متحالفون مع الكثير من رموز الفساد"، مشيراً إلى أن أداء "النائب ميشال عون المليء بالشتائم واللغات الشعبوية أدى إلى تراكم الأخطاء وتزايد النفور الشعبي تجاهه".
أما نواب التكتل، فبرأي علوش أنهم "احتذوا بقائدهم طوال الفترة الماضية، فتسلحوا بمنطق الشتائم والفجور بدل الحوار ومقارعة الحجة بالحجة، لأنهم لا يملكون الحجة ولا يستطيعون الحوار بشعاراتهم الزائفة في معظم الأحيان".
لو كان هذا التكتل دخل المجلس النيابي بالأكثرية التي كان يسعى الى الحصول عليها، كنا، بحسب علوش، "لن نرى سوى روح الانتقام والتشفي والانتقائية في فتح الملفات ما كان سيؤدي إلى تخريب الدولة ومنطق العدالة على غرار ما كان يحصل أيام الرئيس اميل لحود".