#adsense

دفاعاً عن “حارس الذاكرة” غبطة مار نصر الله بطرس صفير

حجم الخط

دفاعاً عن "حارس الذاكرة" غبطة مار نصر الله بطرس صفير

هي "سابقة" إذ لم يحدث أن تناول أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله بطريرك لبنان وإنطاكية وسائر المشرق، ولا تحدث عنه بهذا الأسلوب، فقد كان حزب الله عبر إيفاد بعض نوابه دورياً قد مدّ جسوراً للحوار مع بكركي، ولكن غبطته اعتاد منذ زمن بعيد على ما لحقه من أذى مذكان مطراناً موفداً دائماً للبطريرك مار أنطونيوس بطرس خريش في أسوأ وأحلك أيام لبنان سواداً..

ولا بد لنا من التوقف ملياً عند ما قاله السيد حسن نصرالله أمس الأول متسائلا: "غبطته موجود في بكركي منذ الثمانينات والتسعينات وبعد العام 2000، وخلال هذه الفترة كلها شهدنا حروبا إسرائيلية واعتداءات إسرائيلية ومجازر وتهجيرا ومشاريع توطين وفرض تسويات وفرض شروط على لبنان، لم أسمع ولا مرة من غبطته يتحدث عن تهديد الكيان، هل حقيقة كل شيء عملته إسرائيل وما تمثله إسرائيل وحتى بعد خطاب نتنياهو، سابقاً وحالياً ومستقبلآً بالنسبة إلى الكيان اللبناني لم يكن يستدعي خلال 25 سنة، وأكثر من عشرين سنة من تولي غبطة البطرك المسؤولية أن يتحدث عن تهديد الكيان".

يا سيد حسن، نستغرب مقالتك، للذاكرة وللتاريخ غبطة البطريرك موجود في بكركي ما قبل الثمانينات، وحمل أعباءً كبار في سبيل لبنان ودفاعاً عنه وعن الجنوب اللبنانية قبل أن يحمل همومه الآخرين، وقبل أن يولد آخرون، وكلّه موثوق وموثّق في محاضر اجتماعات رسمية، فلمَ يُبخس الرجل مكانته وقيمته، فقد جاء غبطته إلى بكركي أميناً للسرّ العام عام 1956، وعام 1961 رسم البطريرك المعوشي، "نصر الله صفير" مطراناً، وهذا المطران حمل أعباءً ثقالاً، وللذاكرة والتاريخ، يا سيد حسن، لأننا عهدناك مطلعاً واسع المعرفة، فقد فاجأنا أنك لم تسمع غبطته ولا مرّة يتحدث عن تهديد الكيان من قبل العدو الإسرائيلي، ودفاعاً عن غبطته لأنه مرجعية لبنان وضميره، ولأنه احتمل من الجميع طوال سنين الحرب وقبلها وبعدها من طوائف اللبنانيين جميعاً، وإنصافاً له، وحتى يسمع من لم يسمع، هذه التواريخ والمحطات والحقائق:

1- في لقاء بين رئيس الجمهورية سليمان فرنجية والمطران نصر الله صفير بتاريخ 4/3/1974: نقل النائب البطريركي المطران صفير إلى الرئيس فرنجية هواجس البطريرك وقضية الأطماع الإسرائيليّة بمياه لبنان، ومخاوفه من استجرار إسرائيل مياه نهر الليطاني مطالباً بجرها إلى لبنان ليستفيد منها حتى لا تعتدي عليها إسرائيل..

2- في اجتماع عقد في قصر بعبدا مع الرئيس سليمان فرنجية بتاريخ 13/1/1976 المطران نصر الله صفير يشرح المخطط الإسرائيلي، قال صفير: "نحن طلاب مساواة في الوطن ومشاركة صادقة في إدارة البلاد، واقتراح التقسيم مرفوض كلياً ولا داعي لتكراره وخلق إرباكات منه وطرح جملة أسئلة أولها: ما حقيقة الوضع في الجنوب؟ وأكمل قائلاً: إننا قلقون جداً لما يقع على أرض الجنوب ونخشى من مكيدة يدبرها الإسرائيليون تكون عاقبتها وخيمة على لبنان بأسره، إن الأهالي في الجنوب، مسيحيين ومسلمين، ليس بينهم عداوة بل هم مغلوبون على أمرهم، المسيحيون من قبل الأحزاب اليمنية والإسرائيليين، والمسلمون من قبل الأحزاب اليسارية والفلسطينيين، واليهود الذي يدفعون المسيحيين على متابعة القتال بغية جعلهم سياجاً بشرياً لحدودهم يتخلون عنهم عند الضيق ويتركونهم طعمة لنيران أخصامهم، على أن يتدخلوا بعد حدوث الكثير من الخراب وهلاك العديد من المسيحيين والمسلمين على السواء، وبعد هجرة آلاف السكان خصوصاً المسلمين من المنطقة ويحتلون إذ ذاك الجنوب وصولاً للمياه التي كانت ولا تزال هدفهم من زمن بعيد…"، وللتاريخ هذا الكلام قاله المطران نصر الله صفير وهو ما حدث وصار واقعاً بعد ذلك!!

3- في اجتماع مع الموفد الأميركي دين براون في بكركي بتاريخ 6/5/1976 طرح البطريرك مار أنطونيوس بطرس خريش السؤال التالي على الموفد الأميركي: هناك اتجاهات انفصالية في العالم مثل الباسك في إسبانيا والكاثوليك في إيرلندا وصراعهم مع البروتستانت وهناك أنغولا، ونحن نعرف أن حلم إسرائيل القديم هو تفتيت دول المنطقة وإقامة دويلات تسيطر عليها ويستتب لها الأمر".. هذا كلام بكركي عام 1976، يقوله سواها اليوم ويلوكه ويعيد ويزيد في الحديث عن أخطاره منذ الدخول الأميركي إلى العراق!!

4- في لقاء مع الرئيس الياس سركيس بتاريخ قال المطران نصر الله صفير لرئيس الجمهورية: هناك أمر ثالث هو قضية الجنوب، وكيف العمل لمصالحة الأهلين أو إيفاد بعض قوى الأمن الداخلي إلى المنطقة لئلا يكفر الناس هناك بلبنان؟ وهل من مجال لتطبيق اتفاقية القاهرة والرياض في المنطقة"…

كان هذا هم المطران نصر الله صفير يوم كان مطراناً ومنذ السبعينات، يوم كان سواه يوالي الفلسطينيين واليساريين والشيوعيين مدعين محاربة إسرائيل، فيما هم الجنوب وأهله كان يثقل خاطر بكركي..

أما بكركي اليوم، يا سيد حسن، وأستغرب أنك لم تسمع منها ولا من سيّدها كلاماً عن تهديد الكيان اللبناني من قبل إسرائيل، وللذاكرة والتاريخ نكتفي بموقفين الأول بتاريخ 22/4/1996، هل تتذكرون عناقيد الغضب ومجزرة قانا الأولى، ألم تسمعوا بأن بكركي قرعت أجراسها حزناً على شهداء لبنان في المجزرة المروعة، ولا بأن المدارس الكاثوليكية فتحت أبوابها لأبناء الجنوب، ولا بإشراف سيّد بكركي بنفسه على أعمال الإغاثة؟!

والموقف الثاني من الذاكرة القريبة التي مُسِحت بعد انتهاء الحرب مع بدء التهويل على اللبنانيين واتهامهم بالخيانة، ألا تذكرون تاريخ 1/8/2006، ولا كلمة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير قبل البيان الختامي للقمة الروحية التي انعقدت في بكركي خلال حرب تموز، ألم تسمعوا مقالته: "الغاية مما جرى هو استعداء الفئات اللبنانية بعضها على بعض وبث روح البغضاء والكراهية وإلقاء هؤلاء التهمة على أولئك، لكن الشعب اللبناني أظهر الكثير من التماسك ورباطة الجأش". وقال: "إن خطف جنديين إسرائيليين لا يمكن أن يكون ردة الفعل عليه تخريب بلد بكامله"، محمّلاً إسرائيل مسؤولية القتل والخراب الذي حصل، مشدداً في هذا الظرف على الوحدة الوطنية ووجوب احتضان المنكوبين ومساعدتهم والدعوة إلى وقف النار وإيجاد حل جذري للقضية".. ألم تقرؤوا البند الأول من بيان تلك القمة التي لم يمضِ على انعقادها ثلاث سنوات وفيه: «1ـ التمسك بأهداف الوحدة الوطنية باعتبارها الحصن الحصين للبنان دولة ومجتمعا وكيانا والتنديد بالعدوان الإسرائيلي الذي يستهدف الإساءة لهذه الوحدة. الوحدة الوطنية كانت وستبقى القاعدة الأساس لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي والتصدي له وحزب الله يشكل شريحة أساسية وجزء لا يتجزأ من المجتمع اللبناني"!!

يا سيد حسن، ليس "يمكن أن المقصود إيران"، بل المقصود كلام الرئيس الإيراني أحمدي نجاد عن أن "انتصار المعارضة سيغيّر وجه المنطقة"!! وللمناسبة، لا داعي لإتعاب أنفسكم بتخطيط ودراسات ومجموعة اقتراحات لتأكيد وتعزيز الوجه العربي للبنان ونطلب من غبطة البطرك تأييدها في بيان علني"، فالعروبة التي تقصدونها هي عروبة شعارات الممانعة التي تقاتل بنا وجبهاتها مقفلة، وغبطة البطريرك تحدّث عن الهوية العربية للكيان اللبناني وفرق كبير بين أن يكون اللبناني عربي أو "عروبي"، وللمناسبة أيضاً يا سيد حسن ليس "وجه لبنان عربي"، ذكرتني بدستور ما قبل الطائف "لبنان ذو وجه عربي" وقد خيضت حر طويلة انتهت بتعديل هذه الجملة الملتبسة، فالفقرة "ب" من مقدمة الدستور اللبناني تنصّ على أن: لبنان عربي الهويّة والانتماء(…) .. هذا كلام للذاكرة وليذّكّر من يخشى..

حان الوقت للتوقف عن النيل من غبطة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير، ما يحدث لا يطمئن ولا يريح أبداً، ونتساءل لو قيل هذا الكلام قبل الانتخابات رداً على كلام البطريرك، كيف كانت ستكون نتائج هذه الانتخابات في المتن وكسروان مثلاً، كنا سنشهد أشرفيّة ثانية بالتأكيد!!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل