اوساط بكركي: أين المشكلة في أن يعبر البطريرك عن هاجس تهديد الكيان اللبناني؟
"قناعتي وقلتها، وأمنيتي ألا يساء تفسيرها". كان هذا أقصى ما تمناه وقاله البطريرك نصر الله صفير، في تعليقه على عاصفة الردود التي أثارها بيانه الصادر في ذاك السبت عشية أحد الانتخابات.
لكن الردود توالت الى أن حلّت "حصة الأسد" في خطاب الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله، بعد فوز المعارضة بالأكثرية الشعبية على ما أكد الأخير. البطريرك متضايق الى حد الاستياء، ولكنه لن يصدر بيانا ولن يقدم "فحص دم عربي"، ولن يتناول مجلس المطارنة الموضوع، إلا إذا توالت "حملة التجني على سيد بكركي… علماً أن علاقة البطريرك بالطائفة الشيعية لن تهتز".
تعتبر أوساط مقربة جدا من بكركي أن "خطاب الأمين العام لحزب الله صوّر كلام البطريرك وكأنه يمس الطائفة الشيعية أو الشيعة في لبنان، وهذا غير صحيح، وهذا ما جعل البطريرك يستاء". لا يفكر رأس الكنيسة المارونية بإصدار أي بيان حاليا، وأما مجلس المطارنة "فلن يقبل التجني على البطريرك، فالذي يحصل ليس هجوما بل تجنٍ".
وتنفي الأوساط نفسها كل ما قيل عن أن المطارنة رفضوا تمرير موقف البطريرك في بيانهم الشهري فأصدره منفردا السبت، وتضيف: "من المعروف أن البطريرك لديه إطلالته الأسبوعية من خلال عظة الأحد، فضلا عن إطلالاته الإعلامية أمام زواره عندما يرغب في إطلاق موقف معين، عدا أنه مثله مثل أي مواطن لبناني يريد التعبير عن موقفه الوطني، الذي يأتي تكملة لمواقف بكركي منذ أكثر من 1400 سنة".
لماذا أصدر البطريرك بيانه ذاك الذي خشي فيه من تهديد الكيان ودعا الى التصدي لمحاولات تغيير وجه لبنان العربي؟
تجيب الأوساط: "إن البطريرك يعتبر أنه لسنا في حاجة الى تأكيد عروبتنا، فهي في دمنا ولا نريد أن يطلبوا منا "فحص دم"، وعندما تكلمنا عن العروبة فهذا أتى من منطلق هاجس معين. هذا الهاجس يعود الى المبادرة العربية التي التزمت بها الدول العربية وسلم بها كل الفرقاء السياسيين في عهد رئيس الجمهورية العماد إميل لحود، ولكن أتى موقف الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الذي تحدث عن تغيير وجه المنطقة إذا ما فازت المعارضة. من هنا ولد الهاجس البطريركي إذاً. موقف ضد إيران أكثر منه ضد المعارضة. فالخيارات الإقليمية لإيران، وفق الأوساط نفسها، شكلت "نقزة" لدى الكثير من المسيحيين لا البطريرك وحده، إذ أين أصبحت المحافظة على وجه لبنان العروبي عندما تأخذ إيران مثل هذه الخيارات.
وتؤكد الأوساط "أن موقف البطريرك أتى ضمن سياق موقف بكركي الوطني المستقل، من دون تصوير الأمر بأنه قطع لخلوة المطارنة، وسواها من الكلام غير الصحيح". متسائلة: "أين المشكلة في أن يعبر البطريرك عن هذا الهاجس، خصوصا أنه لم يتعرض لا للشيعة ولا للطائفة الشيعية ولا للرئيس نبيه بري، الذي يكنّ له كل احترام نظراً لدوره التوفيقي بين جميع الفرقاء، ولا للمجلس الشيعي الأعلى، الذي يستمر التواصل معه، ولا لـ"حزب الله" الذي لطالما دافع عنه البطريرك، وتصدى لمحاولات خلطه مع الإرهاب، ووصفه بأنهم شباب لبنانيون يدافعون عن أرض الوطن المحتلة من إسرائيل.
وحسب الأوساط، "يفكر البطريرك صفير بعقل ميثاقي، والميثاق بالنسبة اليه يعني الوفاق، وبالتالي الالتزام بما توافقنا عليه، فإذا كنتم تريدون تغيير وجه لبنان فليكن، ولكن لنتفق جميعنا على هذا الأمر في البداية، وإلا فنحن نريد التعبير عن هواجسنا. وكل هذا الأخذ والرد الحاصل لا يمكن أن يسبب اهتزاز العلاقة بين البطريرك والطائفة الشيعية، لأنها علاقة قائمة على المصلحة الوطنية المشتركة".
ولا ترى الأوساط حاجة الى التذكير بأن "الكنيسة المارونية كانت وحيدة في أوائل القرن الفائت، تحذر من الخطر الصهيوني عندما كان العرب غارقين في سبات عميق ما بعد الحرب الكونية الأولى، فضلا عن أن الصراع العربي الإسرائيلي لم يترك البطريرك فرصة إلا وتناوله وشجب الاعتداءات الإسرائيلية ومجازرها في حق لبنان، وليس آخرها حرب تموز، ولكن من لا يريد أن يسمع فهو حر. من دون إغفال بيانات مجلس المطارنة التي تركز على الانتماء العربي للبنان، والالتزام به، وكل ما قد يهدده أو نشعر بهاجس معين بأن من شأنه تهديده نحذر منه، ونأسف لأن يكون الرد علينا ظلما وتجنيا".
غراسيا بيطار