#adsense

قراءة علمية في نظام التمثيل النسبي في لبنان

حجم الخط

قراءة علمية في نظام التمثيل النسبي في لبنان
المحامي جورج أبو صعب

في ظل الكلام عن قانون جديد للانتخابات سوف يطبع العمل عليه المرحلة المقبلة بكل ابعاده وتعرجاته – نرى لزاما علينا التقدم من منطلق علمي قانوني ودستوري بهذ الدراسة المختصرة لماهية النظام التمثيلي النسبي في البرلمان كي يتمكن القارئ والمهتم من تكوين فطرة علمية واضحة لاعتماد مبدأ النسبية في النظام الانتخابي المستقبلي في لبنان، من ضمن ورشة الاصلاح الشاملة التي ينبغي على الاكثرية الحاكمة اطلاقها للسنوات الاربعة المقبلة .

فتمهيدا نشير الى ان النظم الانتخابية في العالم تتنوع وتتفرع من حيث تحديد نتيجة الانتخاب الى نوعين اساسيين : الاول ويعرف بالنظام الاغلبي او نظام الاغلبية (وهو الذي يعتمده لبنان منذ قانون 1960 ) والثاني ويعرف بنظام التمثيل النسبي او نظام تمثيل الاقليات السياسية .

ونشير ايضا في البداية الى ان نظام الاغلبية يتفرع بدوره الى : نظام الاغلبية المطلقة الذي يعني النظام الذي فيه ليفوز المرشح في المعركة الانتخابية يجب عليه ان يحصل على اكثر من نصف عدد اصوات الناخبين + واحد – ونظام الاغلبية النسبية او ما يعرف بالاغلبية البسيطة والذي بمقتضاه ليفوز المرشح ( او القائمة الانتخابية ) عليه حصد اكبر عدد من الاصوات بصرف النظر عن مجموع الاصوات التي حصل عليها بقية المرشحين او بقية القوائم .

ما يهمنا في هذه الدراسة التركيز فقط على نظام التمثيل الانتخابي النسبي لتبيان خصائصه وشروطه وصولا الى استنتاجات دستورية وسياسية تلقي الضوء على خفايا هذه النظام المطروح اليوم من اللبنانيين للسير فيه في اي قانون انتخابي مقبل .

اولا : تعريف نظام التمثيل النسبي:

عملا بمبادئ هذا النظام الانتخابي يتم توزيع المقاعد المخصصة للدائرة الانتخابية على القوائم المختلفة كل منها بحسب نسبة الاصوات التي حصلت عليها في المعركة الانتخابية – وبالتالي لا يكون الفوز فقط للقائمة التي حصلت على الاغلبية المطلقة من الاصوات الصحيحة – كما في حال نظام الاغلبية المطلقة – او على اكثرية الاصوات كما هي الحال في نظام الاغلبية النسبية او البسيطة – وانما يتم توزيع المقاعد في ظل نظام التمثيل النسبي على القوائم المختلفة بحسب نسبة الاصوات التي حصلت عليها .

وللتوضيح : نفترض ان هناك دائرة انتخابية مخصص لها (10) مقاعد في البرلمان – وهناك فرضا ثلاثة قوائم انتخابية لثلاثة احزاب او تيارات او تكتلات : وحصلت القائمة الاولى على (6000) صوت والقائمة الثانية على (3000) صوت والقائمة الثالثة على (1000) صوت – فيصبح توزيع المقاعد النيابية بين الاحزاب والتيارات والتكتلات المتنافسة بحسب ما حصلت عليه القوائم الخاصة بكل حزب او تيار او تكتل : فيفوز مثلا الحزب صاحب القائمة الاولى بستة مقاعد – ويفوز الحزب او التيار او التكتل صاحب القائمة الثانية بثلاثة مقاعد فيما يفوز ايضا الحزب او التيار او التكتل صاحب القائمة الثالثة بمقعد واحد فقط .

فيتم بذلك توزيع المقاعد النيابية بين الاحزاب والتيارات والتكتلات بنسبة عدد الاصوات التي حصلت عليها قائمة كل حزب او تيار او تكتل – بينما لو بقينا في ظل النظام الاكثري (نظام الاغلبية) سواء المطلقة او النسبية – فان من فاز في القائمة الاولى ينال المقاعد العشرة كاملة .

ثانيا : الخصائص السياسية والقانونية لنظام التمثيل النسبي :

1- ان نظام التمثيل النسبي يفترض اعتماد الانتخاب بالقائمة لا اعتماد الانتخاب الفردي – فيصبح تشكيل القوائم الزاميا اذ لا نسبية في ترشيحات الافراد .

2- ان التمثيل النسبي يضمن تمثيل الاقليات السياسية الى جانب احزاب او تيارات او تكتلات الاكثرية في البرلمان – كل بنسبة المقاعد التي حصل عليها – وبالتالي تتعزز الصفة التمثيلية لكافة الاحزاب والتيارات والتكتلات على اختلاف احجامها الشعبية – وتتمثل في الندوة البرلمانية تبعا لاحجامها كافة وبما يتناسب وعدد الاصوات التي نالها كل حزب او تكتل او تيار .

3- ان هذا النظام النسبي يمكن ان يشجع او ان يمنع ما يعرف بالمزج بين القوائم – وبالفرنسية (panachage) – اذ يجوز ان ينص القانون الانتخابي على اساس النسبية على الالتزام بقاعدة القائمة المغلقة (liste bloquee) حيث لا يعود بامكان الناخب الا التصويت للقائمة دون اي امكانية تعديل او تغيير فيها حذفا او اضافة لاسماء مرشحين – او ان ينص على اعتماد مبدأ المزج بين القوائم الانتخابية وبالتالي يصبح بامكان الناخب حق عمل قائمة يكونها بنفسه من اسماء من يريد من المرشحين من مختلف القوائم الانتخابية المتنافسة – وبالتالي في هذه الحالة لا يتقيد الناخب بقائمة حزب او تيار او تكتل ما وانما يصبح له حق تكوين قائمته الانتخابية من بين اسماء مرشحين واردة في القوائم المختلفة .

وبالتالي فان اعتماد مبدا القائمة المغلقة يصبح اكثر تفضيلا لدى القوى السياسية والحزبية من اعتماد المبدا الاخر لان اعتماد هذا الاخير قد يضعف روحية الالتزام السياسي والوطني لدى الناخبين ويفقد القوى المتنافسة القدرة على ضبط ناخبيها من وراء العازل مهما حاولت خارجه الضغط او التأثير على الناخب .

4- ان نظام التمثيل النسبي يعتبر الاكثر عدالة من سواه من الانظمة وخاصة بالمقارنة مع نظام الاغلبية (المعتمد حاليا في لبنان ) – فالنظام النسبي قانونا ودستوريا وسياسيا – يبدو ضامنا اكثر لرفع الغبن والظلم عن الاقليات السياسية من خلال اتاحة المجال امامها لتتمثل في الندوة البرلمانية تمثيلا يتناسب وقوتها الشعبية وحضورها الفعلي على الارض – ما تعكسه الاصوات الناخبة التي تنالها .

5- ان النظام النسبي يساهم مساهمة كبيرة في ضمان التمثيل العادل في البرلمان لجميع الاحزاب والقوى الصغيرة – والحفاظ بالتالي على استقلاليتها واستقلالية طروحاتها وبرامجها – التي تضطر للتنازل عنها او عن البعض منها غالبا في حال اعتماد نظام الاغلبية بحكم التحالفات والائتلافات التي تضطر تلك الاحزاب والقوى الصغيرة الى خوضها لتشارك في قوائم الاحزاب والقوى الكبرى او الاكثرية – وصولا احيانا الى الاندماج بها لمساعدة نفسها على الفوز ببعض المقاعد البرلمانية .

6- ان النظام النسبي ما زال يعتبر الى الان – في ضوء التجارب العالمية – الاكثر انسجاما واتفاقا مع طبيعة النظام النيابي البرلماني – من خلال كونه يكرس اكثر مبدأ الديمقراطية – اذ يسمح بتمثيل الشعب – كل الشعب – بمختلف اتجاهاته ومشاربه وميوله – مما يؤدي الى تكون هيئة نيابية داخل قبة البرلمان تعكس الصورة الصادقة والحقيقية والمعبرة عن أراء الشعب وميوله – على حقيقتها وتنوعها وصدقيتها .

7- على الصعيد السياسي والممارسة البرلمانية السليمة – ان اعتماد هذا النظام النسبي في لبنان سوف يسمح بقيام توازن برلماني وسياسي جاد – ينعكس توازنا في الحياة النيابية والدستورية – لانه يسمح للقوى الاقلية بالتكتل فيما بينها او التحالف او التضامن لتشكيل قوة ممانعة داخل الندوة النيابية في وجه الجرف الاكثري للقوى والاحزاب والتكتلات الكبرى والقوية – ما يحول دون تحكم واستبداد احزاب وقوى وتيارات الغالبية بامور الحكم والتشريع والمراقبة والمحاسبة – وعليه تخلق تلك الاقليات في الداخل نوعا من معارضة قوية ومانعة تعتبر ركيزة النظام البرلماني في الحياة الديمقراطية للشعوب المتقدمة – وفي الوقت عينه تصبح تلك القوى الصغيرة بيضة القبان في حالات الاصطفافات والازمات السياسية بين الكتل الكبرى – بحيث تسعى هذه الاخيرة الى اكبر قدر من استمالة الاقليات النيابية الى جانبها لضمان اكثريات معينة لتصويت او لقرار او لتشريع او لمحاسبة او لمراقبة العمل الحكومي .

8- ان اعتماد النظام النسبي يساهم في زيادة اهتمام الناخبين بالشؤون العامة والحياة السياسية – اذ يشجع الناخبين من انصار الاحزاب والقوى والتيارات الصغيرة على ممارسة حقوقهم السياسية والادلاء باصواتهم لادراكهم ان صوتهم بات مؤثرا في نتائج الانتخابات ومن شأن وصوله ان يساهم في ايصال ممثليه وبالتالي في التعبير عن افكاره حتميا داخل الندوة البرلمانية – فضلا عن ادراك الناخبين ان مصلحة احزابهم وتكتلاتهم وتياراتهم الصغيرة تقضي بعدم التخلف عن التصويت لان المقعد النيابي بات في متناول الايدي ان صوتوا بكثافة – ما يؤدي بدوره الى ازدياد الاصوات الناخبة عامة وبالتالي زيادة مقاعد الاقلية في البرلمان .

9- ان اعتماد النظام النسبي على الانتخاب على اساس القائمة يساهم ايضا في جعل اساس المفاضلة بين مرشح حزبي واخر المبادئ والمناهج التي تنادي بها احزاب المرشحين لا العلاقات الشخصية بين المرشحين – بالاضافة الى زيادة اهتمام الناخبين بالمسائل العامة كما صار شرحه اعلاه .

ثالثا: وضع التمثيل النسبي في الواقع اللبناني:

1- في حين يعتبر التمثيل الاغلبي بسيط وغير معقد – بحيث يعمل على قيام اغلبية متماسكة في المجلس النيابي وبالتالي يؤدي الى توكيد الاستقرار الحكومي وتسهيل العمل التشريعي – الا ان النظام النسبي – براينا المتواضع – يبقى الافضل في الدول – مثل لبنان حيث التنوع الطائفي والحضاري والسياسي – في ذروته – وحيث مشاعر الغبن والانفصال والاستبعاد والابعاد سائدة لدى شرائح كبيرة من المجتمع اللبناني – ان هي خسرت معركة انتخابية او شعرت بانها لا تعامل بالقدر الذي يفرضه حجم قواها واحزابها وتكتلاتها – وبالتالي ولو ان النظام النسبي اكثر تعقيدا عمليا ولوجستيا – اذا صح التعبير بالمقارنة مع نظام الاغلبية – الا انه يبقى الافضل للبنان ولتبيان احجام الجميع وتمكين الجميع من الشعور بانه ممثل ومشارك في حكم البلاد بما يتناسب وحجمه وامكاناته .

2- ان النظام النسبي قد لا يتناقض مع المناصفة بين المسيحيين والمسلمين ان احتسبت المقاعد النيابية على اساس المناصفة – كما هي حاليا – وشرع القانون الانتخابي الجديد – من ضمن هامش التوزيع الطائفي والمذهبي واقراره النسبية – الى احتساب التمثيل الشعبي لكافة القوى الكبرى والصغرى في البلاد من ضمن القوائم الانتخابية لكل دائرة انتخابية – لكن يبقى ان الافضل يكون باليوم الذي فيه يلغى القيد الطائفي الانتخابي لتصبح الهيئة الناخبة والقوائم الانتخابية لبنانية فقط .

3- ان التمثيل النسبي يسقط سياسيا ودستوريا وقانونيا وواقعيا – مقولة الغالبيات المعطلة في الحكومة والبرلمان – لان التمثيل الشامل للجميع يتيح اعادة خلط الاوراق السياسية والوطنية بين القوى المتمثلة داخل الندوة البرلمانية وفق حقيقة احجامها الشعبية – وبالتالي تمارس المشاركة الفعلية والبناءة في الحكم من داخل البرلمان على اسس صحيحة من التمثيل والقوة السياسية والانتخابية الفعلية على الارض وبقدر هذه القوة والفعالية .

4- كما ان التمثيل النسبي يحافظ على ما لقوى الاكثرية من قدرة وسلطة وتأثير في تسيير الحياة العامة تحت قبة البرلمان – وما للمعارضة (الاقلية ) من امكانات للعمل والمنافسة الديمقراطية تحت سقف البرلمان لتقديم الافضل والتمكن من عرض برامجها ومقارعة الاكثرية النيابية – وبالتالي لا يعود من مجال للحديث عن اكثرية شعبية او اكثرية عددية وسواها من مقولات غير قانونية وغير علمية لمحاولة فرض اقليات معينة او قوى محددة على الحياة البرلمانية او الوطنية – من داخل او خارج البرلمان والمؤسسات – فحيث تستطيع الاكثرية تغليب رأيها تفعل وحيث تستطيع المعارضة ( الاقلية ) اسقاط مشاريع او قرارات او عرقلة تغليب راي الاكثرية تنافس .

5- يجب في حال اعتماد النظام النسبي مستقبلا في لبنان الاحتياط الى أمرين :

أ- وضع الضوابط الدستورية والقانونية والبرلمانية (تعديل النظام الداخلي لمجلس النواب ) التي تكفل ان لا تتحول الندوة النيابية – بفعل كثرة الاحزاب والتكتلات والقوى والتيارات المتمثلة – وتعدد الاراء وتشتتها – الى عرقلة العمل التشريعي وعدم جعل عملية اصدار التشريعات عملية معقدة غير ميسرة بسبب تعدد وجهات النظر داخل البرلمان وانقسام القوى والاحزاب والتيارات والكتل وتعذر اتفاقها في القضايا الاساسية والجوهرية والمصيرية .

ب- العمل على تبسيط قواعد تطبيق النظام النسبي – المعقدة بطبيعتها عمليا – خاصة من الناحية الحسابية والاحتسابية – الى درجة قد تؤدي الى تأخير صدور النتائج الانتخابية مما قد يسهل الشكوك وتعرض النتائج للتزوير او التشويه في احسن الاحوال من جانب ادارة الانتخابات .

دراستنا هذه نضعها بتصرف المعنيين والباحثين والمهتمين علنا نكون قد وفقنا في القاء المزيد من الضوء على مفهوم النظام النسبي وصورة تطبيقه في لبنان مستقبلا .

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل