#dfp #adsense

الدرس الإيراني

حجم الخط

الدرس الإيراني

لعل لبنان في طليعة البلدان المدعوة الى اخذ العبرة مما يجري في ايران بمعزل عما ستؤول اليه الامور، علما ان التجربة اللبنانية التي تكوّنت منذ عام 2005 تجعل المرء منحازا الى قيم الحرية والعدالة والاستقلال التي لا يجسدها النظام الايرا ني القائم. لكن الانحياز الى هذا الجانب او ذاك في ايران لن يغيّر مجرى الاحداث التي يقرر وجهتها ملايين الايرانيين اليوم.

والعبرة الايرانية التي نضعها برسم اللبنانيين هي: لا ينفع المرء ان يربح العالم ويخسر نفسه وهذه عبارة مقتبسة من الانجيل. فقد دفع اللبنانيون ثمناً غالياً، على مدى تاريخهم قديماً وحديثاً، بسبب تجاهل الذات ولا تزال المخاطر تحوطهم كلما تجاهلوا ذاتهم. والامر ينطبق الان على ايران حيث يجهد النظام ليربح العالم ويخسر الايرانيين.
الجيل الذي عاش تجربة الحرب في لبنان منذ عام 1975، وكاتب هذه السطور منه، يدرك المعنى العميق لثمن انكار الذات. فاللبنانيون الذين انقسموا فرقا في ترتيب اولوياتهم على حساب لبنان اولا، وجدوا العالم يربح وهم يخسرون.
فقد شاهدوا الفلسطينيين والاسرائيلي والسوري والعراقي والليبي والاميركي والسوفياتي وغيرهم كثيرين يربحون وهم يخسرون. فمن استعاذ اولا بالميليشيات جرّ الآخر الى الاستعاذة بالسلاح الفلسطيني ثم كرّت السبحة.
والاستعاذات جعلت اللبنانيين العوبة على مسرح الامم. وحتى الأمس القريب سعى "حزب الله" الى تكرار المشهد فكانت الويلات التي تعاقبت منذ عام 2000 عندما بدأ يتخلى عن ربح الذات بعد تحرير الارض من اجل ان تربح دمشق وطهران.

الأهمية القصوى للدرس الايراني لبنانيا تكمن في توجيه الانذار الى من غرّه المظهر الخارجي للجمهورية الاسلامية وأصبح أسيراً له. ولم يعد ينفع تبادل المصالح بين النظام الايراني وفئة من اللبنانيين في تغيير وجهة التاريخ الذي يكتب اليوم. فهذا النظام اعتمد على مقاومة "حزب الله" ورقة مفاوضة اقليمية فيما اعتمد الحزب على الدعم الايراني ليفرض نفسه قوة تتجاوز وطنه. لكن ما تشهده شوارع طهران هو في بعضه احتجاج على هذه المعادلة التي تنفق من جيب ايران في مصلحة غير الايرانيين. بالتأكيد هناك أفضال ايرانية على الكثيرين ممن دخلوا موكب الثورة منذ عام 1979. ومنذ ذلك الزمن ترعرعت اجيال على هذه الافضال. لكن الوقت حان لمعرفة وجهة هذه الافضال وأثمانها. فإذا كانت الوجهة مساعدة لبنان على التخلص من الاحتلال الاسرائيلي فهي انتهت منطقيا عام 2000. واذا كانت بلا اثمان فأن سجل الاحداث منذ 9 اعوام ينبىء بالعكس.
عام 1990، وخلال مؤتمر القمة الخليجية التي استضافتها الكويت مباشرة بعد زوال الاحتلال العراقي لاراضيها، جمعتني الصدفة بوفد اعلامي ايراني رسمي. وكنت يومذاك اتولى تغطية القمة مندوبا لـ"النهار". وصودف ان احد اعضاء الوفد كان من الذين عملوا في الثمانينات من القرن الماضي في بيروت.

ودار حوار الى مائدة طعام كان محوره سؤال من احد اعضاء الوفد لي: "كيف يمكن لايران ان تخدم لبنان؟" وكان جوابي الذي لم استغرق بالتفكير فيه هو: "انشئوا جامعة فارسية تنضم الى الاميركية واليسوعية والعربية". وشرحت الفكرة من زاوية اهمية ابقاء اثر عبر صرح علمي يدوم فيما تزول الآثار الاخرى.
بعد 19 عاماً، الرجاء يتكرر: ان تنشأ علاقة حضارية بين لبنان وايران. وان ينعم الشعبان بحقهما في الحياة الكريمة. والدرس الايراني الذي يُكتب اليوم هو "ايران اولا" تماما مثلما كافحنا من اجل "لبنان اولا".

المصدر:
النهار

خبر عاجل