#dfp #adsense

وفي السنة الرابعة يحتفي جورج حاوي بخيار 14 آذار

حجم الخط

وفي السنة الرابعة يحتفي جورج حاوي بخيار 14 آذار

أقصى ما يمكن للمرء أن يقدمه للراحلين قسراً او اغتيالاً وغدراً، افتراض انهم ما زالوا هنا بيننا، فبهذه الطريقة يخفّ ثقل رحيلهم ويمكن تذكّر موقعهم في حياتنا وتأثير مواقفهم فيها.
في الذكرى الرابعة لاغتيال الشهيد جورج حاوي افضل ما يمكن تذكره به هو افتراض وجوده بيننا في مثل هذه الايام من العام 2009، وبعد الانتخابات النيابية المصيرية التي فاز فيها الفريق الذي ما فتئ يكرّس استقلاله عن نظام الوصاية السوري.ما الذي كان سيقوم به؟ ما هي المواقف التي كان سيعلنها؟ هل كان وضع اليسار اللبناني ليكون أفضل مما هو ؟… هذه الاسئلة لن تحصل على إجابات إلاّ عبر استعادة تاريخ هذا الرجل المقاوم للعدوان السوري أولا في العام 1976، ومن ثَمّ للعدوان الاسرائيلي في العام 1982 بعدما اطلق شرارة المقاومة الوطنية مع رفيقه محسن إبراهيم،قبل ان تنتقل-عبر الزمن وتحت تأثير انهيار الاتحاد السوفياتي والضربة الاسرائيلية القاسية للمقاومة الفلسطينية وللفصائل والاحزاب اللبنانية المقاومة- راية تلك المقاومة الى "حركة أمل" ومنها الى "حزب الله" في ما بعد.

لم يكن جورج حاوي ليشارك في طاولة الحوار الوطني في قصر بعبدا الى جانب السياسيين اللبنانيين لانه لا يمثل شريحة كبيرة من اللبنانيين او لنقل شريحة محددة منهم، فهو منذ خروجه نهائياً من الحزب الشيوعي اللبناني العام 2000 راح يعمل في السياسة كفرد وعلى صعيد شخصي ويعلن مواقفه بناء على الرصيد السياسي الكبير الذي امتلكه عبر سنوات طويلة من اشتغاله بالسياسة. ولكن رغم فرديته، كان جورج حاوي ليكون من مؤسسي طاولة الحوار والدافعين الى انعقادها وجمع أطرافها وتحديد نقاط النقاش فيها. وهو كان قد بدأ بالدعوة الى طاولة الحوار تلك قبل أشهر من وقوع جريمة اغتياله وبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وكان قد زار عدداً كبيراً من السياسيين ورجال الدين ورؤساء الطوائف وحصل منهم بالاجماع موافقتهم على عقد مثل هذا الحوار، الذي اراده وسيلة لبحث اللبنانيين نقاط الخلاف في ما بينهم وحسمها، نتيجة لرؤيته الثاقبة بان اغتيال الرئيس رفيق الحريري كان يهدف الى زعزعة البلاد وأخذها الى هاوية انقسام أهلي جديد يكرّر سيناريو الحرب الاهلية الآفلة.
جورج حاوي، لو كان بيننا اليوم، كان ليحتفي بانتصار فريق 14 آذار في الانتخابات النيابية الاخيرة، لانه قبيل اغتياله في العام 2005 كان يعرف ويعلن انه لم يعد هناك من مسوغ لاستمرار تسلط يد الوصاية السورية على لبنان، بل وكان رغم فرديته السياسية وعدم انخراطه في فريق 14 آذار، ينظّر للاستفادة من انتفاضة الشعب اللبناني في 14 آذار من اجل تحقيق خروج الجيش السوري من لبنان،وهذا ما حصل في 26 نيسان من العام نفسه.

براغماتية معتدلة
هذا النظر في السياسة وتعاملاتها جزء من شخصية جورج حاوي،الذي لم يكن يوماً يسارياً طفولياً متهوراً ولا سياسيا متزعما ومتسيدا، فهو في تاريخه النضالي داخل الحزب الشيوعي اللبناني كان مجددا وإصلاحيا لدرجة انه أعلن مراراً ان ًالبيروستريكا" انطلقت في الحزب الشيوعي اللبناني ابان مؤتمره السادس قبل ان يطلقها غورباتشوف في حزبه الشيوعي السوفياتي. وفي اللحظة التي شعر فيها ان دوره داخل الحزب لم يعد ذا جدوى،قرّر ترك القيادة وموقع المسؤولية فيه للاجيال الجديدة التي قد تتمكن من انتشال الحزب من قوقعته الفكرية وتحجره الايديولوجي والسياسي، هذا رغم انه أخطأ في أمله ذاك.
كان سياسيا براغماتيا، يقرأ اللحظة السياسية ويبني عليها.وهذا ما مكّنه أولاً في شبابه من الانتقال الى أعلى السلم الهرمي في الحزب أبان الحقبة السوفياتية الفولاذية حين كان سائر اعضاء المكتب السياسي في الحزب الشيوعي من كبار السن ومن مؤسسي الحزب. هذا قبل ان يصبح أميناً عاماً للحزب في أصعب المراحل،أي في بدايات الحرب الاهلية اللبنانية والتي دخل على أثرها الجيش السوري الى لبنان في العام 1976 بحُجة الدفاع عن المسيحيين، فيما كان جورج حاوي يعرف ان الهدف من هذا الدخول هو ضرب المقاومة الفلسطينية ووضع اليد على لبنان، فأعلن حينها مقاومة دخول الجيش السوري الى لبنان، ودارت معارك قاسية بين محازبي ًالحركة الوطنيةً بإختلاف أحزابها والجيش السوري، انتهت الى إغتيال القائد كمال جنبلاط.

حقل ألغام السياسة
استمر حاوي في الامانة العامة للحزب أثناء الاجتياح الاسرائيلي للبنان العام 1982، فاستشعر أن هذا الاجتياح الذي يؤكد أطماع العدو الاسرائيلي بلبنان كما بغيره من الدول العربية، سيكون وصمة عار على جبين اللبنانيين في حال لم تتم مجابهته عبر مقاومة وطنية, فقرأ بيان إطلاق المقاومة في أحد أيام العام 1982.
بعد تلك الاعوام القاسية والمريرة كان على الامين العام ان يقود حزبه في حقل الالغام السياسي الذي تم زرعه في لبنان نتيجة لتغييرات وتبديلات سياسية إقليمية كانت تستهدف سحب بساط المقاومة من تحت أصحابه الفعليين ليمنح لحزب واحد. وبعدها جاءت المعارك الاخيرة بين "ًحركة أمل" و"حزب الله" في اقليم التفاح، ومعارك الجيش اللبناني بقيادة الجنرال ميشال عون مع القوات اللبنانية وبعدها مع الجيش السوري المرابض على الاراضي اللبنانية. وذلك قبل توقيع اتفاق الطائف وانتقال لبنان واللبنانيين الى مرحلة جديدة من السلم الاهلي. في تلك المرحلة قرّر الامين العام التنحي عن منصبه في العام 1993، ليعود الى الحزب في رئاسة المجلس الوطني في العام 1999 وليتركه بعد سنة واحدة، وليتفرغ للعمل السياسي الفردي والشخصي والخاص.
ثم حلّ العام 2005 المشؤوم، ووقع التمديد لرئيس الجمهورية الامر الذي حذر منه جورج حاوي كثيرا، ثم ارتكبت جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري الشنيعة، فأيقن ابو انيس ان البلاد تجر الى الهاوية، لذا اعتبر ان الحركة الاستقلالية التي نشأت بعيد الاغتيال هي خير سبيل للقيام بالبلاد نحو حريتها وديموقراطيتها،خصوصاً بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان. فاستنفر جهده ورصيده السياسي في دعم تلك الحركة واستنهاضها والدفاع عنها.
ومنذ العام 2000 راح جورج حاوي يعمل في السياسة اللبنانية بناء على محصلة موقعه السياسي السابق الذي جعله واحدا من ايقونات السياسة اللبنانية خلال العقود الاربعة الاخيرة، بسبب تأثيره الخاص والشخصي اولا في الحياة السياسية اللبنانية، وبسبب موقعه على رأس الحزب الشيوعي اللبناني ثانيا، في زمن الحرب الباردة والدعم السوفياتي، وفي زمن المقاومة اللبنانية للجيش السوري حينا وللجيش الاسرائيلي حينا آخر. وقد استغل رصيده السابق ذاك في سعيه لاقامة حوار وطني بين اللبنانيين- منذ نهاية العام 2004 حتى يوم اغتياله- يهدف الى انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وانتخاب مجلس نواب جديد بناء على قانون انتخاب عصري. وقد قام بجولات كثيرة على المسؤولين عارضا مشروعا للحوار الوطني، الا انه بعد مضي اشهر من الزيارات والتصريحات، لم يظهر انه يحظى بدعم احد، حتى انه لم يقابل رئيس الجمهورية ليضع في تصرفه حصيلة اتصالاته ومبادراته.

خطورة التمديد وصحة الحوار
لجأ الى مبادرته تلك لانه عرف بحدسه الخاص ان الاوضاع في لبنان ذاهبة نحو التأزم بسبب التمديد لرئيس الجمهورية اميل لحود وصدور القرار 1559. كان يردد دوما في مجالسه أن البلاد في هذه الاونة تحتاج الى الحوار منعا لانزلاقها في المجهول. وشكلت جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري نقطة تحوّله نحو تبني خطاب فريق "ًالمعارضة" حينها، وفريق 14 آذار فيما بعد، بعدما ايقن ان الجريمة هي مؤشر على رغبة السوريين بتفجيرالاوضاع في لبنان ومعاندة القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الامن. ولكن هذا لا يعني انه صار عضوا في فريق 14 آذار، بل ظل مستقلاً وصاحب مواقف تتقاطع مع مقررات لقاءات البريستول المتكررة.
كانت رؤياه السياسية تتركز على إبطال مفاعيل التمديد للرئيس إميل لحود، فقد اعتبر حاوي ان التمديد لرئيس الجمهورية اميل لحود كان بمثابة رصاصة الرحمة في رأس الاستقرار السياسي اللبناني.وكان يردّد انه على رئيس الجمهورية أن يترك بعبدا الى بعبدات لان المكابرة لم تعد تفيد.واعتبر غالبا في احاديثه السياسية للصحافة والاعلام ان التمديد لرئيس الجمهورية ادى الى استحالة تشكيل حكومة وفاق وطني. ووصف حكومة عمر كرامي التي شكلت بعد التمديد بالكيدية والانتقامية، وبأن هدفها ًتكسيرً رأس جنبلاط:ًلقد جيء له بخمسة من الذين سقطوا بمواجهته في الانتخابات حتى ينقموا عيشتهً، كما ردد في عدة مقابلات صحافية.
واعتبر أن خروج القوات السورية من لبنان،لا يكتمل الا بخروج الرئيس لحود من موقع الرئاسة. وكان يرى أن هاتين العمليتين إذا ما وافقت القوى السياسية من مواقعها المختلفة عليهما، من شأنهما أن يسرعا في انتقال لبنان إلى الحقبة المقبلة التي تعبّر عن طموح اللبنانيين في استكمال بناء وطنهم على قاعدة شعارات انتفاضة الاستقلال. وقدم جورج حاوي دعمه التام لانتفاضة الاستقلال، وكان شعاره الدائم ًالثورة الكاملة والانتفاضة الكاملةً بحسب الذين يعرفونه من قرب. كان يتوقع ان تكمل الانتفاضة الشعبية مسارها وتسقط الرئيس اميل لحود وتحكم بحسب اهدافها وتطلعاتها حين تصير في السلطة، هذا لو كان بإمكان المتظاهرين في يوم 14 آذار الصعود إلى بعبدا لاسقاط لحود الذي ما كان ليستطيع المقاومة أمام الحركة الشعبية في ظل الانهيار الكامل الذي دفع السوريين إلى الخروج من لبنان. 

لا تعويض للخسارة
لو مرت السنوات الاربع الماضية وجورج حاوي"ًأبو أنيس" بيننا، لكان لديه الكثير ليقوله حول ما يدور او ما دار في الحياة السياسية اللبنانية. ففي السنوات الاربع تلك حدث في لبنان الكثير مما كان ليتوقع حدوثه او كان لن يتوقعه. كانت سنوات أربع عامرة بالاحداث. ماذا كان ليتوقع، مثلا: انطلاق المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. حرب تموز الساحقة والمدمرة. صمود الحكومة في وجه محاولة إسقاطها. 7 أيار 2008 واستخدام سلاح المقاومة في الداخل اللبناني بوجه لبنانيين عزّل. الانقسام الفلسطيني في فلسطين. كم كان ليتحسر بسبب هاتين النقطتين الاخيرتين. كم كان ليشعر ان الزمن المديد الذي قضاه في المقاومة وذهب فيه مئات الشبان شهداء في سبيل لبنان، أدى الى توجيه بندقية المقاومة الى الداخل اللبناني وتحوّل البندقية في الداخل الفلسطيني عن العدو الاسرائيلي الى صدور أصحابها وأهلها.لكن رغم كل هذا الظلام العميم، كان ليشعر بالفخر من نزول اللبنانيين الى ساحة الشهداء في السنوات التي تلت اغتياله واغتيال رفاقه اللاحقين والسابقين. كان ليفرح كثيرا بوفاء اللبنانيين المطالبين باستقلالهم وسيادتهم كما عبّروا عنه في الانتخابات النيابية الاخيرة. لكن لا نؤشر الى أسباب فرحه المفترضة تلك لنقبلها كتعويض عن وجوده نفسه،لان خَسارة جورج حاوي قائدا ورمزا ومناضلا أحب لبنانه كما فعل، تبقى أقسى من أي فرح قد يسببه حدث وقع هنا او حدث وقع هناك، وهي قاسية كما قساوة خسارة كل الذين خسرناهم من رموز ًإنتفاضة الاستقلالً. انها خسارات لا تعوّض، لانهم أفراد بعينهم، رحلوا ولن يتكرروا، بينما السياسة كالموج، ما يذهب منها في هذه اللحظة يعود في لحظة ثانية وبنفس الشاكلة. فبئس عنف السياسة في بلادنا حين يتحكم فيها أصحاب عقول مجرمة، وهنيئا لشهدائنا مثاويهم الاخيرة.

فيديل سبيتي

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل