المعيار الانتخابي… أولاً
إذا صحّت بعض المشاريع التجريبية التي ترمى في التداول كصيغ جدية لتشكيل الحكومة الجديدة، مقرونة بمناخ اللقاءات ذات الطابع التصالحي بين زعماء في الغالبية والمعارضة، فإن ذلك سيرتب نشوء محظور ديموقراطي جسيم ستسأل عن تبعاته الغالبية اكثر من المعارضة. ذلك ان اللقاءات التصالحية لا يمكن اي لبناني إلا ان يرحب بها نظرا الى انعكاساتها الايجابية على السلم الاهلي وتمتين اواصر النسيج المجتمعي وتبديد كل صنوف العدوانية وتخفيف العصبيات. غير انه من غير الجائز في المعيار الديموقراطي الذي يشكل في الواقع امتن شبكات الامان للوحدة اللبنانية وسلامة النظام، ان يجري تبديد المكسب الذي حققه هذا المعيار في الانتخابات النيابية بذريعة "التنازل" لموجبات المصالحات.
لا بد من الاضاءة على هذا البعد بعد اسبوعين فقط من الانتخابات النيابية وعلى ابواب الاستحقاق الحكومي لان بعض ما بدأ يُشاع من مناخات يبدو كأنه يُراد به "ادانة" للانتخابات ونتائجها بمفعول رجعي. ولا يرتبط الامر في هذا الاطار باستحضار الشوائب التي حصلت في الانتخابات والتي يعنى بها مرجعها الحصري، اي المجلس الدستوري، بل بالقفز المزدوج فوق نتائج الانتخابات إن من جانب معارضين او من جانب موالين، وكل قفز كهذا ولو اختلفت دوافعه يعتبر تجاوزا مبكرا للمعيار الديموقراطي الدستوري الثابت الذي لا يعرف المناورات ولا يعترف بقلب الوقائع.
ووفق هذا المعيار لا يبقى احتفاظ الغالبية بأكثرية موصوفة في الحكومة مجرد حق سياسي او معنوي قابل للتصرف، بل هو واجب من واجباتها الملزمة لانها خاضت المعركة الانتخابية باسم الحفاظ على النظام واسسه واصوله الديموقراطية، ولانها استعادت اكثريتها بتفويض ولا اوضح من الناخبين على هذا الاساس. هذا التفويض لا يجيز للغالبية التنازل عن هذا الحق لانه ليس فعلا اختياريا او استنسابيا او اجرائيا، بل هو واجب دستوري لممثلي الغالبية بازاء ناخبيهم.
أما موجبات التسوية مع المعارضة، ما دامت ظروف الداخل والخارج تفرض عودة صيغة الحكومة الائتلافية، فإنها لا تشكل تعارضا مع نتائج الانتخابات اذا ظلت الاكثرية اكثرية والاقلية اقلية في تركيبة الحكومة، مع الفرصة الكبيرة السانحة هذه المرة لجعل رئيس الجمهورية يمسك بالفارق الساحر في اي تركيبة من شأنها ان تنهي ظاهرة "الثلث المعطل" المنافية تماما لكل منطق ديموقراطي.
في المقابل لا يجيز المعيار نفسه للمعارضة، بعدما سلمت بالنتائج وقبلت بها، ان تعود الى طرح غير دستوري وغير ديموقراطي كأنها تجهز بيد على ما سلّمت به اليد الاخرى، او كأنها تريد تجويف نتائج الانتخابات ضمنا في ما اعلنت قبوله علنا. فالمعيار الديموقراطي نفسه هو اكبر ضامن واكبر ضمان للمعارضة في وجه اي مخاوف جدية لديها من استئثار محتمل للغالبية. وبثلث معطل او من دونه اثبتت تجارب السنوات الاربع الماضية بما لم يعد يحتمل جدلا ان اي استقواء على النظام او اي تفلت منه لا يوفر فوزا للمعارضة ولو نجحت في تطويق الاكثرية ومحاصرتها وتقييدها. أما صوت المعارضة من داخل المؤسسات فيكسبها مهابة ومشروعية كاملتين سواء ظلت في موقع الشراكة الحكومية او انبرت الى تعقب الغالبية بالمحاسبة الدائمة.
اذا كان للانتخابات النيابية ونتائجها ان تشكل المصل المحيي للديموقراطية اللبنانية، فلا يمكن اي تشكيلة حكومية جديدة ان تتجاوز هذا المعيار الذي خرج من صناديق الاقتراع ليل 7 حزيران ليخط المعادلة اللبنانية لاربع سنوات مقبلة.
واي جنوح عن هذه المعادلة يعتبر تصرفا غير مشروع بالتفويض التمثيلي الجديد. اما مسألة اللقاءات التصالحية، على الحاحها الشديد وضرورتها القصوى، فهي لا ترقى الى مستوى تحوير النتائج الانتخابية ، حرفها نحو مسار تسووي آخر خصوصا ان لا طابع قسريا او طارئا يبررها على غرار ما حصل في الدوحة قبل عام ونيف. واذا كان من بعد جوهري آخر لنتائج الانتخابات فهو انه ازال "الموقت" الاضطراري وأعاد الاعتبار الى "الدائم" الطبيعي بأصوات الناخبين هذه المرة وليس بأي وسيلة قسرية داخلية او خارجية اخرى.