من طهران … إلى دمشق والرياض عين اللبناني على الخارج… وقلبه على الداخل!
لا يُلام اللبناني الذي يتابع تفاصيل ما يجري في شوارع طهران من مواجهات وصدامات، على اعتبار أن للحدث الإيراني انعكاسات مؤثرة في الوضع اللبناني.
ولا يُلام اللبناني الذي يهتم بمتابعة الحوار السوري – الفلسطيني وما يحققه من تفاهمات، نظراً لحساسية العنصر الفلسطيني في تفاعلات المعادلة اللبنانية الهشّة.
ولا يُلام اللبناني الذي يُراهن على كل نسمة صيف تساعد على إزالة غمامة الخلاف بين الرياض ودمشق، وذلك إدراكاً لأهمية هذا الجسر العربي في <تجسير> الوفاق اللبناني، وترسيخ قواعد التهدئة والاستقرار في وطن الأرز.
ولا نغالي إذا قلنا أن تلك التطورات الإقليمية المتلاحقة شغلت اللبنانيين عن متابعة ما يجري في كواليس الاستحقاقات الدستورية المقبلة، من انتخاب رئيس لمجلس النواب، إلى ترشيح رئيس الحكومة الجديدة، فضلاً عن تفاصيل العقد المعهودة في تشكيل الحكومات اللبنانية!.
* * *
ليس بين اللبنانيين من هو راغب، ولا من هو قادر في الأساس، على حشر أنفه في الأحداث الإيرانية الساخنة التي فجّرتها الانتخابات الإيرانية، ولكن الحرص اللبناني على المتابعة عن بعد للزلزال الإيراني ينبع من المعايشة الواقعية لتعاظم النفوذ الإيراني في السنوات الأخيرة، عبر العلاقة مع حزب الله خاصة، ومع بعض الأطراف الحزبية والسياسية في فريق 8 آذار عامة، وبالتالي مدى تأثير هذا النفوذ على مجريات الوضع اللبناني الذي كاد ينزلق إلى شفير الحرب الأهلية في السنتين الماضيتين، لا سيما بعد احداث 7 أيار الأسود.
وليس خافياً أن إمساك الجناح المتشدّد بزمام السلطة في طهران خلال عهد الرئيس احمدي نجاد، أدى إلى نسف محاولات تطبيع العلاقات الإيرانية مع الدول العربية، والتي كان قد بدأها الجناح المعتدل في عهد الرئيس السابق محمّد خاتمي، ومن ثمّ اعتماد خطة اقتحامية للتدخل في شؤون الجيران العرب، والإمساك بأوراق الملفات الساخنة في المنطقة سعياً وراء دور إقليمي مؤثر في تقرير أوضاع المنطقة من جهة، ولاستخدامها في المفاوضات حول الملف النووي الإيراني من جهة ثانية.
لا يتسع المجال اليوم للخوض في خلفيات الأزمة الإيرانية الراهنة وأسبابها المتعددة، والتي مهما اختلفت الآراء والتحليلات حولها، تبقى شأناً داخلياً إيرانياً، ولكن لا بد من القول إن ما يتمناه جيران إيران العرب أن تنتهي صدامات الساحات في طهران والمدن الإيرانية الأخرى بغض النظر عمن سيكون الرابح فيها، بمراجعة نقدية جريئة تصحح المسار، وتعالج الأخطاء، وتفتح أبواب تطبيع العلاقات الإيرانية – العربية، بما يعزّز الأمن والاستقرار في هذه المنطقة المضطربة، وبما يخدم احتياجات ورشة التنمية التي ينتظر الإيرانيون انطلاقها بفارغ الصبر.
* * *
وبالعودة إلى الملف الداخلي، فإن حالة الترقب والغموض المهيمنة على الوضع السياسي تعود إلى انتظار الأطراف المحليين لنتائج الاتصالات والمشاورات الجارية على أكثر من صعيد إقليمي ودولي، وخاصة بين الرياض والقاهرة ودمشق وواشنطن وباريس التي يزورها اليوم أمير قطر منسّق <اتفاق الدوحة> الذي انتهت مفاعيله بإجراء الانتخابات النيابية الأخيرة، تلك المشاورات التي لم تصل إلى خواتيمها السعيدة بعد، حيث تجري معالجة <ما تبقى من عُقد وصعوبات> أمام الاستحقاقات الدستورية الداهمة.
ويبدو أن <صيغة السلة> التي تجمع بين التوافق على انتخاب الرئيس نبيه برّي رئيساً لمجلس النواب وترشيح زعيم الأكثرية النيابية سعد الحريري رئيساً للحكومة العتيدة، والاتفاق المسبق على توزيع نسب المشاركة بين الأكثرية والأقلية وإبقاء أرجحية القرار في مجلس الوزراء لرئيس الجمهورية، يبدو أن هذه الصيغة ستكون هي المعتمدة بين الأطراف المحلية والخارجية المعنية، لضمان، تأمين انطلاقة سليمة وقوية للحكومة العتيدة، وتجاوباً مع رغبة الأكثرية في تجنيب الرئيس المكلف الخوض في متاهات التأليف، واستنفاد رصيده في عُقد التشكيل.
ولعل رصد حركة الاتصالات والمشاورات الجارية بين الرياض ودمشق، بعيداً عن الاضواء، وفي إطار من التكتم الشديد، يساعد على معرفة الاتجاه الذي ستسلكه التطورات المرتقبة على الساحة اللبنانية في المرحلة الحالية.
* * *
ثمة مؤشرات تدل على أن المناخ السياسي في لبنان يميل إلى الهدوء، مع انقشاع ملحوظ في سماء العلاقات اليومية بين القوى السياسية الفاعلة في فريقي 14 و8 آذار، والتي كانت حتى الأمس في حالة صدام ومواجهة متشنجة بلغت حدّ تبادل التهم بالعمالة والخيانة!.
واللقاء المطوّل بين السيّد حسن نصر الله والزعيم وليد جنبلاط الذي من المفترض أن يطوي مرحلة مريرة من الخلافات والصراعات، كان موضع ترحيب كل الأطراف اللبنانية، وحتى العربية، العاملة على ترسيخ التهدئة في البلد، وتغليب لغة الحوار على لغة السلاح في معالجة الخلافات والإشكالات.
ولكن المشهد الحواري يبقى ناقصاً ومشوشاً، حتى ولو تكررت لقاءات الزعيمين سعد الحريري ووليد جنبلاط مع السيد حسن نصر الله، وذلك في حال لم تستكمل اللقاءات الحوارية لتشمل القيادات المسيحية في ضفتي الموالاة والمعارضة، حتى لا يشعر أي طرف مسيحي بأنه مُستبعد عن المسيرة الحوارية، وحتى لا تعود هواجس التحالف الرباعي تقضّ من جديد مضاجع بعض القيادات المسيحية.
ليس ثمة ما يمنع لقاء كل من الحريري وجنبلاط مع العماد ميشال عون وسليمان فرنجية مثلاً، على أن يقابلها لقاءات للسيد نصر الله مع الرئيس امين الجميل وسمير جعجع وغيرهما من القيادات المسيحية في قوى 14 آذار، من دون أن يعني ذلك تخلّي أي طرف عن مواقفه السياسية، ومن دون أن يفسّر كل ذلك بأنه عملية خلط جديدة للتحالفات السياسية.
* * *
لا يُلام اللبناني إذا كانت عينه على الخارج… وبقي قلبه على الداخل! فالرابط بين الإقليمي والمحلي شديد التعقيد، وكثير التشابك… وفهمكم كفاية!!