#adsense

هل يتفق اللبنانيون على سياسة “لا شرق ولا غرب” ؟

حجم الخط

بعدما سقط المشروع الأميركي بالتعطيل والإيراني بالانتخابات
هل يتفق اللبنانيون على سياسة "لا شرق ولا غرب" ؟

لماذا حذّر البطريرك الكاردينال صفير من الخطر الذي يتهدد كيان لبنان عشية الانتخابات النيابية ثم فسّر ما قاله بالدعوة الى ان يكون لبنان ذاته، "فلا شرق ولا غرب بل لبنان في لبنان" وليس في اي دولة اخرى او مع اي دولة ضد اخرى، اي لبنان اولاً واخيراً؟

ان مطالبة سيد بكركي بأن لا يكون في لبنان فئة "تشرّق" وفئة "تغرّب" هي دعوة الى العودة الى ميثاق 43 الذي قال بذلك بعدما كان اللبنانيون منقسمين بين مطالب بحماية فرنسا ومطالب بالوحدة مع سوريا. وهذا الميثاق اوحى به الشعب اللبناني بأسره ولم يصنعه رجل واحد بل صنعه اللبنانيون جميعاً ايماناً منهم بأنه المحور الذي يلتقون حوله والسبيل الوحيد الى الاستقلال والمحافظة عليه. وقد جسّد هذا الميثاق رجلان هما: بشارة الخوري المسيحي الماروني ورياض الصلح المسلم السني، وقد التزم المسيحيون فكرة عروبة لبنان وتخلوا عن فكرة حماية او انتداب دولة اجنبية عليه، وتعهّد المسلمون بالقول بلبنان وطناً نهائياً في حدوده الحالية الطبيعية، وتخلّوا خصوصاً عن فكرة الوحدة السورية، بحيث يكون ولاء اللبنانيين مسيحيين ومسلمين للبنان فقط لا لسواه وان يكون اخلاصهم له وايمانهم به لا بغيره، وتطلعهم اليه لا لسواه من بلدان عربية او غربية، لا عبر الصحراء ولا خلف البحار.

وعندما قال زعيم مسيحي للزعيم رياض الصلح رداً على شعار: "لا وحدة سوريا ولا انتداب": "ان فرنسا بعيدة تفصلها عنا مسافة آلاف عدة من الكيلومترات، اما سوريا فهي على حدودنا"، اجابة: "نحن مستعدون، لنزيدك اطمئناناً، بأن يكون رئيس الدولة دائماً من الطائفة المارونية واحترام نسبة التمثيل النيابي الحالي بين المسيحيين والمسلمين (5 الى 6) (كتاب يوسف سالم 50 سنة مع الناس). لكن فئة لبنانية سرعان ما خالفت ذلك ونكثت بما تعهدت به، اذ انها استقوت تارة بسوريا وطوراً بمصر او بغيرهما من الدول العربية على فئة اخرى، فردّت هذه على تلك بالاستقواء تارة بفرنسا وبريطانيا وطوراً بأميركا وحتى باسرائيل، فتحوّل لبنان منذ ذاك الحين ساحة مفتوحة للصراعات المحلية والعربية والاقليمية والدولية ولا يزال حتى الآن. وانقسم اللبنانيون مرة اخرى بين من اتهموا بأنهم مع المحور السوري – الايراني ومن هم مع المحور الاميركي، والقول ان هذا المحور يذهب بلبنان الى المجهول لا بل الى تغيير وجهه وتهديد كيانه ونظامه، وان ذاك المحور يذهب بلبنان الى الهيمنة الاميركية والاسرائيلية عليه.

وقد انتهى الصراع بين هذين المحورين باعتبار ان ما سمي المشروع الأميركي للشرق الأوسط قد فشل او سقط وذلك بعدم تمكين الاكثرية النيابية التي تمثلها قوى 14 آذار والمتحالفون معها من ان تحكم لان الاقلية التي تمثلها قوى 8 آذار والمتحالفون استطاعت ان تعطّل عمل الحكومة وتشلّ دور المؤسسات وتحول دون انتخاب رئيس للجمهورية مدة ستة اشهر ودون تشكيل حكومة وحدة وطنية مدة سنة ونصف السنة الا بعد تدخل خارجي قضى بعقد مؤتمر الدوحة الذي توصل الى اتفاق على اخراج لبنان من ازمته.

واعتبر فريق ان نتائج الانتخابات النيابية التي اسفرت عن فوز قوى 14 آذار والمتحالفين معها بالاكثرية، أسقطت ما سمي "المشروع الايراني" للمنطقة، وان لبنان الآن هو امام مرحلة جديدة ينبغي، في رأي البطريرك صفير ومن يرى رأيه، وهم كثر، ان يعود الى ذاته ولا يكون لا مع شرق ولا مع غرب، اي العودة الى ما صار الاتفاق عليه في "ميثاق 43" غير المكتوب ليصبح مكتوباً، لان اللبنانيين تعلموا من تجارب الماضي والحاضر ان من يذهب منهم شرقاً يجعل الآخر يذهب غرباً. لذلك، ليس سوى الاتفاق على ان يكون لبنان اولاً واخيراً هو ميثاق جميع اللبنانيين على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم، وان يعتبروا ان ليس للبنان سوى عدو واحد هو اسرائيل الى ان تعيد الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والشعب العربي وتوقّع اتفاق سلام يحفظ امنها وامن دول المنطقة، ويجعلها تنعم بالاستقرار والازدهار، وان تكون جميع الدول العربية صديقة لهم، فلا هي تتدخل في شؤون لبنان، ولا لبنان يتدخل في شؤونها، وان لبنان هو مع هذه الدول وهي متفقة، وعلى الحياد منها اذا اختلفت.وترى اوساط سياسية ان يكون البيان الوزاري لاول حكومة يتم تشكيلها بعد الانتخابات شبيهاً ببيان اول حكومة تم تشكيلها بعد نيل الاستقلال برئاسة رياض الصلح، وكانت حكومة اقطاب سداسية اعضاؤها: حبيب ابي شهلا، كميل شمعون، الامير مجيد ارسلان، سليم تقلا، عادل عسيران، ونالت الثقة بالاجماع. وكما كانت تلك الحكومة هي حكومة الاستقلال، فإن الحكومة الاولى التي يجرى البحث في تشكيلها بعد الانتخابات ينبغي ان تكون حكومة المحافظة على الاستقلال والسيادة الوطنية والقرار الحر، ولا سبيل الى ذلك الا بتطبيق مبدأ "لا شرق ولا غرب" فعلاً لا قولاً، لانه آن الأوان لان يتعلم اللبنانيون ان من يذهب منهم الى الشرق ليستقوي به يجعل الآخرين يذهبون الى الغرب، اي ان على اللبنانيين الاتفاق على اعتماد سياسة الحياد الايجابي التي وحدها تخرج لبنان من صراعات المحاور على ارضه، الحياد بين الدول العربية اذا اختلفت والتضامن معها اذا اتفقت. ولا حياد في مواجهة اسرائيل ما دامت تحتل الاراضي الفلسطينية والعربية ولا تعيدها الى اصحابها كي يتم التوصل الى توقيع اتفاق سلام معها.

ان فكرة الحياد الايجابي باتت تحظى بتأييد عدد من الزعماء السياسيين والروحيين، وهذا الحياد يبدأ باتفاق اللبنانيين جميعاً، مرة اخرى على ما اتفقوا عليه عام 1943 اي ان "لا شرق ولا غرب" لانه المدخل الى استقرار لبنان وازدهاره، وكي لا يظل لبنان كما قال النائب وليد جنبلاط في مقال له قبل اشهر في جريدة "الانباء" الناطقة باسم الحزب التقدمي الاشتراكي "ساحة، بل دولة مثل سائر دول العالم لا يتم استخدامه لتصفية اية صراعات اقليمية او دولية على ارضه"، اي اعتماد الحياد الايجابي، فهل تكون هذه السياسة سياسة الحكومة العتيدة، انقاذاً للبنان من الازمات التي يتخبط بها من حين الى آخر بمختلف اشكالها وصورها؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل