أبعاد مواقف الأطراف المسيحية الرئيسية من إعادة إنتخاب نبيه بري
بقلم فرحات الخوري
رغم تحفظ الاكثرية الساحقة من القاعدة الشعبية لقوى الرابع عشر من اذار على إعادة إنتخاب الرئيس نبيه بري لرئاسة المجلس النيابي، كان من الضروري التوقف إذاً عند رغبة الأكثرية من الطائفة الشيعية الكريمة، والقبول بمرشح الأقلية النيابية. لذلك ارتأت الأكثرية النيابية المضي بإنتخاب بري، درءا لأي استفزاز قد تشعر به طائفته الكريمة، خاصةً وأنه لا وجود لنائب شيعي ضمن قوى الأكثرية، يتمتع بقاعدة شعبية شيعية كبيرة، تعطيه القدرة المعنوية على المنافسة.
في الواقع، ارتأت الأكثرية ذلك، رغم التحفظات والهواجس العديدة المحقة، التي تلتصق بإسم الرئيس بري، بدءًا من تعطيله المجلس النيابي واقفال أبوابه، مرورا بتخطيه صلاحياته الدستورية وإعتباره الحكومة اللبنانية غير شرعية، وصولاً إلى سوء تنظيمه للعمل داخل المجلس … فخرقه الدستور وضربه للعمل الديموقراطي.
ولإزالة هذه العقبات، طرح بعض قياديي ١٤ اذار، وخاصةً المسيحيين منهم وعلى رأسهم الدكتور سمير جعجع، ضمانات علنية يقدمها الرئيس بري، كميثاق شرف، يتضمن إلتزامات، مبدئية على الأقل، على أنه سيدير المجلس كحكمٍ، ملتزماً إحترام الدستور والقوانين والديموقراطية، وليس تبعاً لمصلحته الخاصة وفريق ٨ اذار الذي يمثل … هذه المصالح التي قد تكون تعطيلية إذ أن فريقه يمثل الأقلية، التي لا يصب في مصلحتها أن تمسك الأكثرية بزمام السلطة وتقوم بواجبها الطبيعي، بعد أن اختارها الشعب لتنوب عنه.
ومع تسارع الاحداث واللقاءات ومد الأيدي في الأيام القليلة الماضية، إتضح للقوات اللبنانية، وحليفها حزب الكتائب اللبنانية، والنواب المستقلون المسيحيون ونواب اخرون في ١٤ اذار، أن الأمور تتجه نحو إنتخاب بري، من دون مشاورات مسبقة معه، ومن دون ضمانات يقدمها عبر مشروع واضح المعالم، يتضمن رؤيته وتصوره لكيفية إدارته للمجلس في المرحلة المقبلة، والذي سينتخب بشبه الإجماع على أساسه. لذلك قررت هذه الفئة من فريق ١٤ اذار، التحفظ عن إنتخاب بري واسقاط ورقة بيضاء، رغم سير الأفرقاء الباقين في ١٤ اذار وكل فريق ٨ اذار بانتخابه.
هذه القوى تمسكت بخيارها، بغض النظر عن عدم قدرتها على اسقاط بري ورغم التباين في الرأي مع حلفائها، ذلك التزاماً منها برغبة القاعدة الشعبية ل ١٤ اذار، وحفاظاً منها على المبادئ والثوابت الوطنية التي دفعت الغالي والرخيص في سبيلها، والتي لن تتراجع عنها تحت أي ظرف، والتي ترفض إعادة إنتخاب بري دون شروط وضمانات … شروط ليس للشرط والفرض، بل للحؤول دون تعطيل المجلس والدولة والعمل الدستوري مجدداً، وتعطيل ارادة الشعب الحرة، الذي اختار قوى الاكثرية لتنوب عنه وتحكم البلاد، والذي يرفض توقيف عملها وواجباتها الوطنية وفق رغبات بري والفريق الذي يمثل، كونه يشكل الأقلية النيابية وكون ذلك يخالف الدستور اللبناني.
هذا كله يؤكد إذاً أن القوات اللبنانية وكل من يشاطرها الرأي ويساندها في هذا الخيار الجريء، ملتزمون إلتزاماً تاماً بمبادئهم وثوابتهم المعهودة، وبإرادة الشريحة الكبيرة التي يمثلون، والتي اعطتهم الثقة وخاصةً الاكثرية المسيحية منها. كما يؤكد أن لهذه الفئة قرارها الحر، المرتبط فقط بقناعتها الوطنية، غير التابع لأي طرف داخلي أو خارجي، بما أن الأطراف الداخلية والخارجية كلها، كانت قد وافقت على اعادة إنتخاب بري… والتابع فقط لإرادة الشعب، والخاضع فقط لمصلحة هذا الشعب ومصلحة لبنان.
وفي نفس الإطار ومن نفس المنطلق، لن تتراجع هذه الفئة عن قرارها، إلا في حال اعطائها الضمانات المطلوبة لما فيه خير الأمة وأبنائها، الأمر المستبعد أساساً رغم الاجتماع الموسع لكافة قيادات ١٤ اذار المنتظر في أسرع وقت من هذا الأسبوع، حيث ستناقش مواضيع الساعة كافة، وعلى رأسها رئاسة المجلس النيابي والحكومة.
أما في ما يخص الطرف المسيحي الاخر والذي كان قد فقد مصداقيته خلال عمله في الأربع سنوات الماضية، والذي أسقطه الرأي العام المسيحي في صناديق الاقتراع في السابع من حزيران من هذا العام… فهذا البعض لطالما ادعى أن قراره حر وأنه في مواجهة مفتوحة مع رموز الفساد، مدعياً العفة والطهارة، ومؤكداً عدم إنتخابه للرئيس بري لولاية جديدة لرئاسة المجلس، مجاهراً بذلك في مجالسه الخاصة والتي كانت احداثها وأحاديثها تسرب علناً، عمداً من قبله، وملمحاً لذلك إعلامياً… إلا أن هذا البعض وكالعادة لم يف بإلتزاماته، وسيقترع لبري قبل الجميع، بعد أن وصله الأمر الواضح، غير القابل للنقاش، بذلك… فأصبح واجباً عليه التنفيذ دون أي سؤال، تساؤل أو تردد، أو حتى التلفظ بأي عبارة، إلا تلك العبارة الوحيدة المشرّعة… لبّيك نصرالله!!