بين تاليران ودالّوز
من باب التذكير ليس إلاّ.
ومن باب لزوم ما يلزم، عشيَّة الانتقال الى رحاب "الاستحقاق الحكومي"، الأوَّل والأهم بعد الاستحقاق النيابي … ما دام كل قرار بتعيين أو نقل موظف، وكل مذكرة ادارية، وكل خطوة لتزفيت زاروب في ضيعة محرومة، بمثابة استحقاق.
واستحقاق مصيري، وربما تاريخي. ومن باب تهيئة اللبنانيّين واستنفارهم لمواكبة التطورات، والمناورات، والمسرحيات التي ستتكاثر ويتكسَّر بعضها على البعض مثلما تكسَّرت النصال على النصال في جسم عنترة بن شداد.
من هذا الباب سندخل الموضوع الحكومي الذي آن أوانه، لا من باب الوعظ والقاء الدروس وإملاء الشروط على طريقة بعض المعارضين المزنطرين والذين يكادون يصيحون من المنابر يا أرض اشتدّي ما حدا قدّي.
صحيح ان قاعة الجلسات في مجلس النواب غاب عنها نجومها الذين يضيق المكان عن تعدادهم من غير ان تضيق الذاكرة باسمائهم، إلا أن بين النواب الجدد، والعائدين منهم بصورة خاصة، جهابذة في حقل القانون وحقل الدستور وحقل الأصول والأعراف.
ومنهم مَنْ يبزُّ دالّوز ويحطّ لتاليران دزينة كاملة من البحص، لا بحصة واحدة.
ومن سيمائهم تعرفونهم، اذا كان تاريخهم لم يَظهر كلُّه بعد، ولم يُظهر كل ما عنده.
وكلُّهم جميعهم يعرفون، على الأقل، ان الأصول الدستوريَّة والتقاليد والأعراف الديموقراطيَّة، ومعها اللعبة البرلمانية في المرتبة الاولى، تنصُّ وتقول وتعلن وتشدٍّد على ان الأكثرية النيابية هي التي تتولى مقاليد الحكومة والحكم، فيما تنصرف الأقليَّة الى المعارضة البنَّاءة، ومراقبة أعمال الحكومة، ومحاسبة المقصّرين والمهملين والمرتكبين من الوزراء.
بلا ثلث معطٍّل، ولا ثلث ضامن، ولا ثلث يشلُّ البلد ويخرب بيوت اللبنانيِّين كما سبق الفضل وحصل، ولا ثلث الثلاثة كم…
هذه هي القاعدة الأساسيَّة التي يرتكز عليها النظام الديموقراطي الذي يتمتَّع به لبنان منذ ما قبل الاستقلال، وينفرد به دون باقي دول المنطقة، وخصوصاً تلك التي تعتبره شاهداً ضدها وضد حكمها و"ديموقراطيتها" التي تشبه الكتابة على الماء.
حتى في زمن الانتداب الفرنسي، ثم في زمن الهيمنة الفلسطينيَّة، بلوغاً للوصاية السوريّة، بقيت هذه الأصول والأعراف محفوظة "المقام"، ولو صوَريّاً.
إلا أن أحداً لم يتجرأ على الغائها، أو إدخال أيٍّ نص مخالف على دستور الطائف.
فبدعة الثلث المعطٍّل الضامن الناسف، التي عادت الى الظهور، ووضعت قيد التداول مجدداً، يعرف الذين يختبئون خلفها أنَّ لا مكان لها بعد التجربة التعيسة المكللة بالفشل، ولا مجال لأيٍّ كلام حولها وفي شأنها.
بالطبع، كلنا نعلم ان المساعي التوفيقيّة أقليميّاً، وعلى أساس قاعدة "س. س"، جارية على قدم وساق، تقابلها محليّاً محاولات تمهيديَّة لاصلاح ما أفسده الدهر، وما أفسده الغرور، وما أفسدته عوامل طارئة لا علاقة للتقاليد اللبنانية بها.
عندما تنضج طبخة المساعي تتم الاستشارات الملزمة، وفي ضوئها يتم تكليف سعد الحريري تأليف الحكومة الجديدة، حيث يمضي لبنان واثق الخطوة الى زمن مختلف ومشرق.