#adsense

الاتفاق على برنامج وحدة وطنية يحدّد شكل الحكومة

حجم الخط

رئيس الجمهورية لن يقبل بعودة الوضع بعد الانتخابات الى ما كان قبلها
الاتفاق على برنامج وحدة وطنية يحدّد شكل الحكومة

يخطئ من يظن ان في استطاعته ان يتصرف بعد الانتخابات كما كان يتصرف قبلها فيعمد الى تعطيل عمل الدولة واللجوء الى الشارع كلما لم يعجبه قرار عوض اللجوء الى المؤسسات والاحتكام اليها حسما لكل خلاف، فمرحلة التعطيل هذه مضت وكانت خلالها رئاسة الجمهورية شاغرة والحكومة متهمة بانها غير ميثاقية وغير شرعية، ومجلس النواب مقفل. اما المرحلة الحالية فمختلفة عنها تماما. ففي سدة الرئاسة الاولى رئيس للجمهورية يحظى بدعم محلي وعربي واقليمي ودولي، هو العماد ميشال سليمان، ومجلس نواب جديد منبثق من انتخابات حرة ونزيهة سوف يباشر عمله بروح من الوفاق والوئام، فصفحة الانتخابات انطوت وفتحت صفحة العمل والانجازات، وهو ما يتطلع اليه الشعب بمختلف فئاته وينتظر من ممثليه ترجمة الشعارات الانتخابية التي رفعوها، والوعود التي قطعوها له، لئلا يحاسبون في انتخابات 2013 على عدم الوفاء بوعودهم.

والرئيس سليمان من جهته، لن يدع لعبة التعطيل تمارس دورها، وهو جاهز لاصلاح اي عطل في عجلة الدولة يحول دون سيرها وانطلاقها. فكيف اذا كان ثمة من يحاول تعطيل ما يصلحه وان اول تجربة مهمة له هي في تشكيل الحكومة تحت اي مسمى، اذ ليس الاسم هو الذي يعطي الحكومة الاندفاع الى العمل، انما برنامجها. فلا معنى لتشكيل حكومة تسمى حكومة "وحدة وطنية" ولا وحدة بين اعضائها، ولا معنى لتشكيل "حكومة اقطاب"، اذا كان بعضها قطبة شر خفية…

والرئيس سليمان يعلم ان هموم الناس هي هموم حياتية ومعيشية قبل اي شيء آخر وقد سئموا سياسة المماحكات والمشاحنات والصدامات، وباتوا ينتظرون حلولا لمشكلة الكهرباء ولمشكلة المياه، ولمشكلة البطالة، ولمشكلة الطبابة والاستشفاء ولمشكلة الدين العام الذي يتزايد سنة بعد سنة، ولمشكلة تصريف الانتاج الزراعي والصناعي، ولتأمين الاستقرار الامني الذي لا ازدهار ولا نمو من دونه، ولتوفير الاجواء الملائمة لمواسم السياحة والاصطياف.

ويعلم الرئيس سليمان قبل الدخول في جدال وسجال حول شكل الحكومة وحول الحصص والحقائب، والمكاسب السياسة، ان الناس يهمهم معرفة اي خطة عمل لدى كل وزير الى اي حزب او كتلة ينتمي.
لذلك طالبت الهيئات الاقتصادية بضرورة تأليف حكومة متجانسة لديها حرية الحركة وامكانية اتخاذ القرارات لتسيير شؤون البلاد ومعالجة قضايا الناس، وان تولي الملفات الاقتصادية والاجتماعية الاهتمام اللازم ولا سيما تطبيق الاصلاحات الواردة في باريس 3، من اجل كسب ثقة المستثمرين، فالاوضاع الاقتصادية والمالية والاجتماعية في البلاد لم تعد تستطيع المراوحة، ولا تحمل المزيد من الخسائر التي تحملتها خلال السنوات الماضية فاستنزفت كل مقدراتها وكادت تصل الى الخط الاحمر. فالمطلوب قبل البحث في تشكيل الحكومة واي شكل ينبغي ان يكون لها، وضع رؤية متكاملة للنهوض الاقتصادي مبنية على تطبيق الاصلاحات الواردة في باريس 3، والسير في التشريعات التي تجعل الاقتصاد الوطني يتماشى مع التطور، ويزيد قدرته التنافسية، حتى اذا ما تشكلت الحكومة يمكنها ان تتخذ القرارات لمصلحة لبنان وشعبه وليس لمصلحة حزب او فئة او طائفة او منطقة. وعندما يصير اتفاق على رؤية واحدة فلا يعود يهم الناس لا شكل الحكومة ولا ممن تتألف، ولا ان تكون هذه الحقيبة لهذا الوزير او ذاك، ولا ان يكون ثلث او اكثر لهذا التكتل او ذاك. فلبنان لم يستقطب الاستثمارات التي كان عليه استقطابها في السنوات الماضية، فاستثمرت مئات المليارات من الدولارات في اماكن اخرى مع ان لبنان مرغوب فيه كمركز، لكن بفعل التخوف من عدم الاستقرار الامني والسياسي والقضائي فيه وقدرة الدولة على تنفيذ القانون وحماية الناس وحقوقها، لم تحصل الاستثمارات الكبرى في لبنان.

ويرى سياسيون مستقلون ان يجري الرئيس سليمان مشاورات مع قيادات القوى السياسية الاساسية في البلاد لا للبحث معها في تشكيل الحكومة واي شكل ينبغي ان يعطى لها، انما للاتفاق على العودة الى الدستور والى الميثاق الوطني والى القواعد والاعراف الدستورية سبيلا لممارسة النظام الديموقراطي على اكمل وجه وحل المشاكل بالحوار وداخل المؤسسات، وحظر اللجوء الى استخدام السلاح او العنف والاحتكام اليه ايا كانت الخلافات وتحت اي ظرف كان بما يضمن عدم الخروج على عقد الشراكة الوطنية القائم على تصميم اللبنانيين على العيش معا في اطار نظام ديموقراطي وحصر السلطة بيد الدولة، والتزام الجميع مبادئ الدستور واحكامه واتفاق الطائف وتعزيز سلطات الدولة على اراضيها كافة، وترسيخ وحدة لبنان وتثبيت العيش المشترك والمحافظة على الاستقلال والسيادة، وعلى مرجعية الدولة في كل القضايا.

ويرى هؤلاء ايضا العودة الى ما تضمنه خطاب القسم للرئيس سليمان من توجهات ودعوة للحوار والالتزام بالدستور والميثاق الوطني، بحيث ان العودة اليه تفتح ورشة عمل لاصلاح شامل في كل المجالات السياسية والادارية والاقتصادية والامنية، ولا سيما في مجال الامن والاقتصاد، اذ لا اقتصاد بلا امن ولا امن بلا اقتصاد. وقد حدد الرئيس سليمان في خطاب قسمه الخطوط الاقتصادية العريضة لعهده وهي: الخروج من حالة الركود التي اصابت اقتصاد لبنان في السنوات الاخيرة وتفعيل الدورة الاقتصادية بتوفير الاستقرار الامني والسياسي لها برعاية الدولة وتشجيعا لعملية الانتاج التنافسي، والمزج بين حالة لبنان الى اقتصاد خدماتي ومصرفي وسياحي والعمل على جذب الاستثمارات وتأمين بيئة صديقة له. ودعا من جهة اخرى الى محاربة البطالة ومحاصرة الهجرة وتشجيع الطاقات الشابة للانخراط في مؤسسات القطاع العام لمنع ترهله ومما يتيح الوصول الى إدارة اكثر كفاية وشبابا مع الاعتماد على حسن الاختيار وتعزيز هيئات الرقابة بحيث يكافأ المستحق ويصوب المقصر ويعزل الفاسد، كما دعا الى تعيم الثقافة البيئية خصوصا بعد اشتداد ازمات التلوث العالمية والتسخين الحراري، واخيرا وليس آخرا تحقيق الانماء المتوازن كركن اساسي من اركان وحدة الدولة واستقرار النظام، واعتبار تطبيق اللامركزية الادارية الموسعة عنصرا مهما لهذا الانماء ورفع الغبن واصلاح التفاوت الاجتماعي والاقتصادي والثقافي بين المناطق.

الى ذلك، فانه اذا صار اتفاق على ان يكون خطاب القسم هو الخطوط العريضة للبيان الوزاري للحكومة العتيدة، فان هذا البيان يكون بيان الوحدة الوطنية الذي تجسده الحكومة ايا كان شكلها ومن يتمثل فيها وعندها تصبح حكومة وحدة وطنية فعلا لا قولا وتصبح الحكومة بكامل اعضائها هي الضامنة للجميع.

المصدر:
النهار

خبر عاجل