استحقاقا انتخاب رئيس مجلس النواب وتشكيل الحكومة يحتلان صدارة الأولويات
الأكثرية ستطلب ضمانات من بري والثابتة الوحيدة في الحكومة: لا تعطيل
انتهت الانتخابات النيابية، ومرّ 7 حزيران على خير. لكن الملفات العالقة كثيرة، وأبرزها عنوانان يتصدّران الأيام والأسابيع المقبلة: انتخاب رئيس لمجلس النواب وتشكيل الحكومة الجديدة. كيف ستتصرف الأكثرية النيابية المؤيدة لقوى 14 آذار والعائدة بقوة الى المجلس الجديد حيال هذين الملفين؟ وهل ستتم إعادة انتخاب الرئيس نبيه بري رئيسا للمجلس وبأي شروط؟ وهل ستتشكل حكومة قادرة على الحكم ومن دون تعطيل؟
عانى لبنان الأمرين خلال الأعوام الأربعة الماضية بسبب سياسة تعطيل المؤسسات التي احترفها أفرقاء 8 آذار تحت ذرائع وعناوين عدة، أبرزها اعتبار الأكثرية النيابية في المجلس المنتهية ولايته أكثرية وهمية، وعدم الاعتراف عمليا بما أفرزته الانتخابات النيابية من واقع تمثيلي.
أما اليوم، وبعد إتمام الانتخابات النيابية الجديدة بأفضل صورة حضارية، وبموجب قانون الانتخابات الذي توافق عليه اللبنانيون، بمختلف فئاتهم وأطيافهم، في الدوحة، لم يعد في امكان أي طرف التشكيك في نتائج هذه الانتخابات التي أنتجت عودة مظفرة لقوى 14 آذار كأكثرية موصوفة الى المجلس الجديد.
ومع اقتراب موعد الاستحقاق الأول للمجلس المنتخب، وهو استحقاق انتخاب رئيس لهذا المجلس، تبرز أكثر من علامة استفهام حول موقف الأكثرية من إصرار الغالبية الشيعية، وتحديدا "حزب الله" وحركة "أمل" على حصر الترشيحات الى رئاسة المجلس بالرئيس نبيه بري.
وتعود أسباب علامات الاستفهام الى الدور الذي لعبه بري في المرحلة الماضية، حيث عمد الى تعطيل عمل المجلس لأكثر من 18 شهرا، إضافة كذلك دوره في تعطيل المؤسسات الدستورية من مجلس وزراء ورئاسة جمهورية بقي كرسيها شاغرا لأكثر من 6 أشهر، إضافة الى مشاركة حركة "أمل" بقيادة بري بشكل فاعل في حوادث 7 أيار.
ولكل هذه الأسباب وسواها، يبدو جمهور 14 آذار غير متحمس لإعادة تكرار تجربة بري في رئاسة المجلس.
اسئلة وشروط
عضو كتلة "القوات اللبنانية" النائب أنطوان زهرا يؤكد أن "قواعد القوات اللبنانية لا توافق على استمرار وجود الرئيس بري في موقع رئاسة مجلس النواب للسنوات الأربع المقبلة. ونحن نمثل قواعدنا ونعكس موقفها. ولكن في الوقت نفسه علينا أن نتعامل بواقعية مع عدم وجود أي مرشح آخر حتى الآن لهذا المنصب غير الرئيس بري. ولذلك فإننا في صدد تحضير مجموعة محددة من الأسئلة الى الرئيس بري تتعلق بإدارة الجلسات، مصير اقتراحات ومشاريع القوانين، التوازن الوظيفي في إدارة المجلس، ضمان استمرار عمل المجلس وعدم تأثير الموقف السياسي لبري على عمل المجلس. ونحن لن نطمئن في حال كان بري لا يزال يعتبر أنه يشكل رأس حربة لفريق 8 آذار. لذلك نحن سننتظر الأجوبة لمعرفة مدى إمكان الحصول على ضمانات من بري، وخصوصا في ظل الأجواء المستجدة بعد الانتخابات لمعرفة ما إذا كان سيبقى على مواقفه السابقة أم أنه أعاد النظر فيها".
النائب المنتخب عقاب صقر يرى أنه "لا مجال لتكرار تجربة انتخاب الرئيس بري من دون شروط. فإذا كان رئيس الجمهورية ميشال سليمان فرضت عليه شروط عدة في اتفاق الدوحة لجهة تشكيل الحكومة وتوزيع الوزراء فيها وقانون الانتخابات وتقسيماته وغيرها من الأمور، واذا كان رئيس مجلس الوزراء فرضت عليه شروط أيضا بالفعل نفسه، فإن ذلك يجعل من البديهي وضع شروط على انتخاب بري مجددا، وخصوصا أن ثمة تجربة غير مشجعة مع بري. ويجب عليه أن يوضح أسباب ما حصل لأنه لا يمكننا أن نمر عليه مرور الكرام، ولاسيما أن جمهور 14 آذار لا يقبل بعودته الى رئاسة المجلس. قد لا تكون الضمانات حاسمة لكن من المفيد جدا أن يشرح الرئيس بري ما حصل خلال المرحلة الماضية للرأي العام فيحاول تبرير ما حصل أو الاعتراف بأخطائه. ويمكن أن تكون الضمانات من خلال التوافق على سلة من الأمور قد تشمل الحكومة وطريقة عمل المجلس والتعيينات وغيرها من المواضيع التي تسهّل عمل المؤسسات للمرحلة المقبلة".
الحكومة: لا تعطيل
وإذا كان موضوع انتخاب رئيس مجلس النواب يحتل صدارة ترتيب الاهتمامات بفعل أولويته على الجدول الزمني للاستحقاقات، إلا أن الموضوع الطاغي في كل المشاورات السياسية والطروحات الإعلامية يتعلق بتشكيل الحكومة المقبلة في ظل تضارب في المواقف السياسية في صفوف قوى الأقلية النيابية. ففي حين يبدو أن "حزب الله" تجاوز مطلب الثلث المعطل داخل الحكومة كشرط لمشاركته متحدثا عن "ضمانات" ما يريدها في موضوع سلاحه، وفي حين لم يصدر عن حركة "أمل" أي موقف سلبي في هذا السياق، برزت مواقف متناقضة ومتشددة لأطراف أخرى في الأقلية، ومنها موقف النائب المنتخب سليمان فرنجية الذي أعلن عدم مشاركة المعارضة في الحكومة من دون الثلث المعطل، وكذلك موقف العماد ميشال عون الذي أصرّ على الحصول على 7 مقاعد وزارية لتكتله وعلى حكومة تتألف على قاعدة نسبية تمثيل الكتل في مجلس النواب.
وإزاء هذه المواقف المتضاربة يطرح أكثر من سؤال عن حقيقة موقف هذه القوى، وإذا ما كان ثمة موقف موحد أم أن ما يحصل يدخل في إطار توزيع مدروس للمواقف؟
زهرا يعتبر أن "القوى الفعلية في الأقلية تتعاطى بواقعية وإيجابية في موضوع تشكيل الحكومة التي لن يكون فيها ثلث معطل. وإذا كان ثمة من يصرّ على هذا الثلث كشرط لمشاركته، فمن الأفضل عندها أن يبقى في المعارضة لأنه من غير المقبول بعد اليوم أن نتحدث عن معارضة من داخل الحكومة. فإما أن يكون الفريق السياسي المعارض خارج الحكومة وإما أن يكون مشاركا في الحكومة على قاعدة القبول ببرنامج الحكم ويحترم مبدأ التضامن الوزاري. لذلك فإننا نعتبر أن "حزب الله" وحركة "أمل" لم يطالبا بالثلث المعطل، وبالتالي فإن أي مواقف أخرى لا تعبّر فعليا عن القوى الأساسية في الأقلية. وفي حال مشاركة الأقلية في الحكومة، ما كان مطروحا هو أن يكون لرئيس الجمهورية إمكان الترجيح، بمعنى أن وزراء رئيس الجمهورية إذا وقفوا في موضوع ما مع الأقلية يكون بإمكانهم تعطيل القرار، وإذا أيدوا موقف الأكثرية يكون بالإمكان السير بالقرارات لأنه يتأمن عندها أكثر من ثلثي مجلس الوزراء. الأمور لا تزال قيد النقاش، ولكن الثابت أنه لم يطرح بعد عدم مشاركة الأقلية كما لم يطرح أبدا موضوع الثلث المعطل".
صقر يوافق على مبدأ "أن يكون الثلث الضامن أو المعطل بيد رئيس الجمهورية ليصبح حكما وحاكما فهذا أمر جيد. أما إذا أراد فريق 8 آذار أن يحصل أطرافه على الثلث المعطل ليمارسوا السلطة والمعارضة في وقت واحد فهذا أمر مرفوض، ولن نقبل بإعادة إنتاج صورة المرحلة الماضية. فلم تحصل الانتخابات النيابية لنعود ونكرر سيناريو التعطيل نفسه. اللبنانيون لا يريدون تكرار التجربة ولا أصحاب رأس المال ولا حتى المجتمع الدولي. ولن نقبل بأي محاولات للتهديد تحت طائلة العودة الى 23 كانون الثاني أو 7 أيار. ونحن نعتبر أن الإصرار على شرط الحصول على الثلث المعطل يعني الإصرار على نية التعطيل. فلدى قوى 8 آذار إمكان التعطيل على الأرض من خلال سلاحهم كما حصل في 7 أيار، وهم يريدون إضافة إمكان تعطيلهم من خلال المؤسسات وهذا ما لن نقبل به. إذا أصروا على هذا الثلث فليبقوا عندها في المعارضة، مع العلم أن ظروف 7 أيار لم تعد قائمة لا داخليا ولا إقليميا، وبالتالي فإن أي توجه مماثل مرة جديدة يكون في مثابة عملية انتحار للفريق الذي يقوم بذلك. فالتعطيل يشلّ البلد سياحيا في مطلع موسم واعد، وهذا يضرب الاقتصاد الوطني. لذلك يجب أن تتشكل الحكومة بسرعة لنتمكن من مواكبة حركة السياحة والاقتصاد، ولذلك من الأفضل أن نضع الثلث الضامن في يد رئيس الجمهورية، ولنتوجه لتسيير أمور البلد والناس".
الأجواء إيجابية
هل نحن إذا أمام تعقيدات أم أن ثمة أجواء إيجابية؟ وماذا ينتظرنا للأسابيع المقبلة: تشكيل حكومة عمل بالسرعة اللازمة أم مزيد من العرقلة وبالتالي شلل البلاد وإطالة عمر حكومة تصريف الأعمال؟
زهرا يرى أن "كل الأجواء أجواء تعاون وإيجابية، وما أعلن من مواقف إضافة الى مواقف رئيس الجمهورية تبشر بمرحلة جديدة من دون أي تعطيل. لا أعتقد أننا ذاهبون الى جو لا تشارك فيه الأقلية في الحكومة ولا الى جو ثلث معطل، فهاتان الفرضيتان غير مطروحتين. الجو العام يشير الى تشكيل سريع لحكومة تستطيع أن تحكم وتمضي في واجباتها في ملء الشواغر وتسيير أمور البلاد بأفضل طريقة ممكنة".
أما في موضوع الضمانات التي طلبها "حزب الله" في ما خص سلاحه فيؤكد زهرا أن "الضمانة الوحيدة هي ضمانة رئيس الجمهورية، والتأكيد أن السلاح يبحث فقط على طاولة الحوار. ورئيس الجمهورية يؤكد هذا التوجه في مواقفه كمؤتمن على تطبيق الدستور. ونحن كـ"قوات لبنانية" لن نوافق على أي صياغة في البيان الوزاري تنتقص من سيادة الدولة اللبنانية. وفي حال جرت محاولات لتسوية إنشائية لا نوافق عليها ستكون لنا منها مواقف واضحة".
من جهته لا يبدي صقر أي تخوف في موضوع إمكان أن تشكل الأكثرية حكومة قادرة على الحكم في حال رفضت الأقلية المشاركة. وبحسب صقر "لا تضيع حصة أحد في التعيينات التي تحصل دائما بالتفاهم السياسي بين الأطراف، حتى ولو لم تكن مشاركة كلها في الحكومة. فكل قوة سياسية أو طائفية تسمي عادة من تريد، وحصص الجميع تبقى محفوظة، وكل محاولات البعض التهويل بضياع الحقوق في حال عدم المشاركة أو القدرة على التعطيل أمر غير صحيح على الإطلاق".
طوني أبي نجم