قوى المعارضة ترفض الانضمام إلى جبهة يسعى الحزب لتشكيلها بهدف تأمين غطاء غير شيعي
"الحرس الثوري" يطالب "حزب الله" بإجراء تحقيق بشأن فساد مالي في صفوفه أدى إلى خسارة "8 آذار" الانتخابات اللبنانية
كشفت مصادر شديدة الخصوصية لصحيفة "السياسة" أن طهران طالبت "حزب الله" بإجراء تحقيق شامل وواسع وتحديد هوية المسؤولين عن الفشل الذريع في الانتخابات النيابية التي جرت في السابع من الشهر الجاري، وخاصة حول تفشي فساد مالي واسع في صفوف المسؤولين عن الانتخابات الذين قاموا باختلاس الأموال الايرانية بدلاً من أن يدفعوها للمرشحين ولشراء الأصوات.
وأوضحت المصادر أن نتائج الانتخابات تركت أثراً عميقاً لدى قيادة "حزب الله" التي كانت تتوقع فوزاً ساحقاً للمعارضة، مشيرة إلى أن الامين العام للحزب حسن نصر الله دعا السبت في 13 حزيران الجاري إلى عقد جلسة طارئة لمجلس شورى القرار في الحزب، الذي يعتبر أعلى هيئة قيادية لمناقشة نتائج الانتخابات والخطوات التي يجب اتخاذها لمواجهة المرحلة المقبلة.
وحضر هذه الجلسة الطارئة قائد "الحرس الثوري" في لبنان حسن مهدوي وضابطان كبيران من الحرس وصلا خصيصاً الى لبنان لدراسة نتائج الانتخابات وكيفية ترشيد خطوات "حزب الله" للتعامل مع آثارها.
وأوضحت المصادر أن مسؤولي المناطق الانتخابية في الحزب، وفي مقدمهم مسؤول بيروت أحمد صفي الدين ومسؤول الجنوب الشيخ نبيل قاووق، قدموا خلال الجلسة تقاريرهم التي اعدوها حول مجريات الانتخابات، كل في منطقته، وعرضوا تقديراتهم للاسباب التي وقفت وراء عدم قدرة المعارضة على الحصول على ما كانت تتوقعه.
وأشارت إلى أن اعضاء مجلس الشورى وكذلك ضباط "الحرس الثوري" وجهوا انتقادات لاذعة لهؤلاء المسؤولين الذين لم يقوموا بتنفيذ المهام المنوطة بهم، على الرغم من المبالغ الهائلة التي خصصت لهم والتي قاربت 20 مليون دولار، 15 مليون دولار وصلت من ايران بتوصية خاصة من قائد قوات "القدس" في الحرس قاسم سليماني وبموافقة المرشد الأعلى علي خامنئي.
ولم تنج قيادة "حزب الله" من الانتقادات اللاذعة التي وجهها إليها مهدوي، محملاً إياها مسؤولية اللامبالاة والاعتماد الكلي على التقديرات بنجاح المعارضة والتي اتضح فيما بعد انها غير دقيقة ولا تستند على معطيات حقيقية.
وانتقد مهدوي أيضاً عدم تخصيص الموارد البشرية الكافية للمتابعة والمراقبة والتأثير ولو بالقوة على مجريات العملية الانتخابية، وعدم وصول تقارير دورية الى القيادة الايرانية، وتزوير المعطيات في عدد من التقارير لتجميل الصورة القاتمة للمعارضة.
وطالب بإجراء تحقيق شامل وواسع في صفوف "حزب الله" وتحديد هوية المسؤولين عن هذا الفشل الذريع، ملمحاً الى ان كل الدلائل تشير الى تفشي فساد مالي واسع في صفوف المسؤولين عن الانتخابات في الحزب، والى ان هؤلاء قاموا باختلاس الاموال التي خصصتها ايران للانتخابات بدلاً من ان يدفعوها للمرشحين ولشراء الأصوات.
وتساءل مهدوي أكثر من مرة عن سبب التفاؤل البالغ الذي ساد اوساط قيادة "حزب الله" والقيادة السورية بحتمية نجاح المعارضة.
في سياق متصل، عاد "حزب الله" إلى إحياء مساعي تشكيل جبهة لقوى المعارضة للرد على نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة، بعد المساعي التي بذلها بعد حرب 2006 وفشل فيها، لإقامة تحالف عريض متراص تنظيمياً، على غرار تجمع "8 آذار" الذي ثبت عقمه وفشله، إلا أن المحاولة الجديدة لا تخلو من صعوبات مماثلة لتلك التي واجهت التجربة السابقة، لا بل ان الظروف السياسية اليوم باتت أصعب للحزب.
وتؤكد مصادر حزبية متابعة استحالة قيام هذه الجبهة لأسباب عدة، إذ أن النائب ميشال عون لن يوافق على الانضمام إليها بعد أن لمس خطورة المضي في تحالفه مع "حزب الله"، وما تسبب له من خسارة كبيرة في الشارع المسيحي.
وإذا كان عون، رغم ذلك، لن يخرج من "وثيقة التفاهم" مع "حزب الله"، ولن يتراجع عن موقفه السياسي المعروف، إلا أنه يفضل في هذه المرحلة إقامة "مسافة ما" مع الحزب وسائر قوى "8 آذار" ليتمكن من استعادة أنفاسه، وإعادة تقويم وضعه الشعبي، وثمة معلومات أن عون يرفض الخوض في أي صيغ تحالفية جديدة قبل أن ينجز مشروع إعلان حزبه (التيار الوطني الحر) الذي تعثر مرات عدة في السنوات الأخيرة.
على خط ثان، تلقت قوى وشخصيات سنية بارتياب دعوة "حزب الله" لإقامة هذه الجبهة، ورأت فيها محاولة جديدة من الحزب لاصطناع غطاء غير شيعي له، باستخدامها واستغلالها، علماً أن التجربة السابقة مع الحزب كانت مخيبة لهذه الرموز، إذ انه تخلى عنه في الانتخابات الأخيرة، ولم يتبن معركتها لإثبات وجودها ولو الهزيل، في مواجهة "تيار المستقبل".
وعلى خط ثالث، لم تتلق أحزاب دمشق في لبنان (القومي، البعث، الاتحاد، وغيرها) أي تعليمات من العاصمة السورية بعد عن الموقف من هذه الجبهة، لا بل أن ثمة كلاماً ينقله بعض قياديي هذه الأحزاب عن مسؤولين أمنيين سوريين، يعبر عن استياء شديد من نتائج الانتخابات، وسخط على من أدارها في لبنان بطريقة أدت إلى الخسارة.
أما الصعوبة الأبرز التي ستواجه "حزب الله" في إنشاء هذه الجبهة فتأتي من الحليف الأقرب "حركة أمل" التي تتجه إلى النأي بنفسها عن سياسات "حزب الله" حالياً، وتتحدث المعلومات عن مواقف كبيرة سيطلقها الرئيس نبيه بري بعد انتخابات رئاسة مجلس النواب، ويتمايز فيها عن "حزب الله" وعون، وخصوصاً الأخير الذي خاض معركة جزين الانتخابية بشراسة ضد لائحة بري.