بكركي حصن لبنان الأخير
عبدو شامي
غالباً ما تكون السجالات والانتقادات بين المقامات الروحية ورجال الدين سبباً لشحن النفوس، ما قد ينعكس تفجيراً للخلاف الطائفي بين اللبنانيين.
وبالتالي لايمكن القبول بالتهجم على مواقع دينية من مواقع دينية أخرى لخطورة هذا الأمر على السلم الأهلي والعيش المشترك بين اللبنانيين؛ فالمرجعيات الروحية يفترض بها أن تكون صمام أمان للبنان واللبنانيين، وأن تحرص دوماً على الدور التوحيدي والوفاقي للمصلحة الوطنية. وبناء على ما تقدّم، جرت العادة في لبنان أن توكل مهمة الرد على المرجعيات الدينية إذا ما أدلت بموقف سياسي يتعارض مع موقف تتبناه مرجعية دينية أخرى، الى أحد السياسيين المنتمين الى المرجعية المعترضة ليتولى الرد على موقف المرجعية الأولى بنفسه، وذلك تفادياً للشحن المذهبي أو الطائفي الذي قد ينتج حال صدور الرد أو الإنتقاد عن رأس المرجعية شخصياً.
فعلى الصعيد المسيحي، كانت المعارضة توكل مهمة الردود القاسية والمسيئة أحياناً كثيرة على مرجعية بكركي الوطنية الى زعماء مسيحيين وموارنة من صفوفها، وتحديداً الجنرال عون والوزير السابق سليمان فرنجية. وكذلك الحال في الجانب الإسلامي، فمثلاً بعدما وصف مفتي الجمهورية أحداث السابع من أيار بـ"الأعمال بالإرهابية" عقب تهنئته العماد سليمان بالرئاسة الأولى في قصر بعبدا في 17/6/2008، أناط "حزب ولاية الفقيه" مهمة الرد عليه لمسؤول العلاقات الدولية نوّاف الموسوي، وجاء الرد كالعادة بعيداً عن اللياقات الواجب مراعاتها، وحمل في طيّاته الروح التخوينية التي عودنا عليها هذا الحزب في أدبياته، حيث قال: "إن الذي سمَّى المقاومة إرهاباً هو العدو الإسرائيلي والإرهاب الأميركي، وإن من يطلق على المقاومة هذه التسمية يضع نفسه في الموقع الإسرائيلي – الأميركي".
لكن ما الذي تغيّر اليوم، لكي ينبري أمين عام "حزب ولاية الفقيه" للمرّة الأولى فيردّ شخصياً على تصريح البطريرك صفير الذي أطلقه عشية الإنتخابات النيابية واعتبر فيه: "اننا اليوم أمام تهديد للكيان اللبناني ولهويّتنا العربية، وهذا خطر يجب التنبّه له؛ ولهذا، إن الواجب يقضي علينا بأن نكون واعين لما يدبر لنا من مكايد، ونحبط المساعي الحثيثة التي ستغيّر إذا نجحت وجه بلدنا". فقد تناول الأمين العام هذا الموقف بانتقاد لم يخلو عن النفَس التخويني في 17/6/2009، متسائلاً كيف يُفهم أن فوز المعارضة تهديد للكيان اللبناني؟
وتوجّه الى البطريرك بالسؤال: "هل كل ما عملته اسرائيل وتمثله سابقاً وحالياً ومستقبلاً لم يكن يستدعي خلال أكثر من 20 سنة من توليه البطريركية أن يتحدّث عن تهديد الكيان؟".
وأضاف: "سنعمل على مجموعة مقترحات تؤكّد الوجه العربي للبنان ونطلب من غبطته تأييدها في بيان علني". قد يقال إن السبب الذي حمل أمين عام الحزب على هذا التهجّم، هو أنه أراد أن يرفع عن نفسه مسؤولية الفشل في الانتخابات النيابية أمام شعبه، فحاول تحميل هذه المسؤولية الى البطريرك الماروني؛ وهذا استنتاج منطقي صحيح. لكن يمكن أن يضاف إليه سبب آخر أكثر دقّة، هو أن السابقة الخطيرة التي أقدم عليها أمين عام الحزب، هي في الحقيقة إقرار منه بتجريد حزبه من الغطاء المسيحي الذي كان قد منحه إياه العماد عون عندما كان يمثل 70% من المسيحيين، ما اضطر الأصيل للتدخل بدلاً من الوكيل، بعدما كان في تلك الفترة يوكل مهمة التطاول على الكنيسة للزعيم الماروني الأقوى، أما وقد نجح الناخب اللبناني والمسيحي تحديداً إعادة الجنرال البرتقالي الى الحجم الطبيعي الذي يستحقه معطياً قوى 14آذار 58% من تأييده مقابل 42% للجنرال، فلم يعد للوكيل قدرة تمثيلية مسيحية كافية تخوّله الوقوف في وجه بكركي.
ثم إن مَن تساءل أين هو تهديد الكيان الذي تكلم عنه سيّد بكركي، تناسى كلام الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الصادر في 26/5/ 2009 أي قبل أقل من أسبوعين من موعد الانتخابات، والذي اعتبر فيه: أن فوز المعارضة سوف يُغيّر وضع لبنان ووضع المنطقة.
كما تناسى كلام نائبه نعيم قاسم في 5/6/ 2009، الذي أعلن فيه رفضه للقرار1701 ناصحاً مجلس الامن بأخذ قسط من الراحة والنوم. وماذا عن إعلان 7أيار يوماً مجيداً من أيام المقاومة في لبنان؟ وماذا عن التهديد بالسلاح واستعماله في الداخل؟ وماذا عن الكلام مراراً وتكراراً عن تغيير النظام الذي صدر عن نواب الحزب وحلفائه، كشعار "الجمهورية الثالثة" مثلاً؟ أليس في كل ذلك ما يستدعي القلق على وجه لبنان ونظامه وهويته وعيشه المشترك؟!
إنها لمفارقة عجيبة أن يُنكِر مَن يرأس حزباً إيراني التأسيس والولاء والتمويل والتسليح، ويقود جيشاً خاصاً به، حق رجل دين غيره، وخصوصاً إذا كان بطريرك الموارنة المؤتمن على الكيان اللبناني، في أن يتخذ مواقف في السياسة وفي مواضيع لها طابع وطني شامل. إن دور بكركي كان ولا يزال دوراً وطنياً، وما صدر عنها لم يكن كلاماً انتخابياً بل كلاماً وطنياً خوفاً على الوطن. ومن هنا ندرك سبب استهداف هذه المرجعية من قبل الطامعين بهذا الوطن منذ زمن الوصاية السورية الى يومنا هذا. فيكفي بكركي أنها كانت السبّاقة في المطالبة بالانسحاب السوري من لبنان، مع نداء المطارنة الموارنة التاريخي في 20/8/2000، في حين كانت معظم المرجعيات الدينية لا تزال تكرر يومياً ترتيلة وحدة المسار والمصير؛ فقد قادت الكنيسة وغطّت منذ العام 2000 بناء معارضة مسيحية وطنية للاحتلال السوري عبر لقاء "قرنة شهوان"، ما لبث أن انضم إليها بعد التمديد القسري للرئيس لحود: الرئيس رفيق الحريري والنائب وليد جنبلاط على قاعدة مشروع وطني تعدّدي، هزّ أركان النفوذ السوري ودعائمه، فأشعلت الكنيسة بذلك فتيل ثورة الأرز التي تفجّرت عام 2005 في وجه الوصاية السورية، واسترجعت القرار اللبناني الحر من فم الأسد تحت ضربات الحديد والنار الموجعة، والإغتيالات القاتلة، والتفجيرات المروعة، والتهديدات المقلقة التي لم تنته حتى الآن. إن الخطر الحقيقي الذي يحدق بالوطن هو محاولة ضرب روح الكيان اللبناني، عن طريق ضرب النظام الديموقراطي البرلماني الحر الذي يضمن الحريات العامة والخاصة للشعب اللبناني بكل طوائفه وأفراده، واستبدال هذا النظام بأنظمة ديكتاتورية وشمولية من شأنها أن تضرب خصوصية الكيان اللبناني.
وهذا بدا واضحاً خلال السنوات لأربع الأخيرة مع تقويض حكومة الإستقلال الثاني، وإفقال المجلس النيابي، وإقصاء المسيحيين عن الرئاسة الأولى مدة 6 أشهر، ومع الإعتداءات المتكررة والمغطاة من قبل أحزاب نافذة على الجيش اللبناني، وحذف أبرز كفاءات المؤسسة العسكرية، وصولاً الى الهجمة الشعواء على السلطة القضائية التي شهدناها منذ فترة.
والآن لم يبق من بين الحصون التي تدافع عن الكيان اللبناني سوى بكركي، التي تمسّكت بالثوابت الوطنية وانحازت انحيازاً مطلقاً للبنان، وأعطت موافقتها على دستور الطائف، واتخذت المواقف المشرّفة أثناء الإعتداءات الإسرائيلية على لبنان فاتحة الأديرة والمدارس أمام النازحين، وقادت بجرأة وصبر الجهود الوطنية التي حرّرت البلاد وأعادت اليه سيادته وسلامة أراضيه واستقلاله… فلا عجب إذا وجّهوا إليها سهام حقدهم اليوم بصفتها خط الدفاع الأخير. على تلك الأطراف التي تمتهن التخوين وتوظفه في خطابها، أن تحذف هذه العبارة الذميمة من أدبياتها خصوصاً وأنها تطلق جزافاً من غير دليل.