#adsense

لقد تجاوزتم الخط الأحمر

حجم الخط

لقد تجاوزتم الخط الأحمر
كاهن ماروني

كلمتي الأولى أوجهها لمن اعتبر نفسه يومًا رئيسًا للجمهورية وستة وزراء.

يمكنك أن تعتبر نفسك من تشاء وما تشاء ولكن إياك ثم إياك أن تبلغ بك الجرأة حدًا يصور لك أنّه باستطاعتك أن تتوجه بتعاليك وعجرفتك فتملي على سينودس الكنيسة المارونية المقدس ما يجب فعله أو لا. إنّك ولو ملكت أصوات العالم المسيحي بأسره فلا يخطرنّ ببالك أنّك بمرتبة تؤهلك أن تقول لأحبار الكنيسة المارونية ما يجب أن يعملوه أم لا ولا حتى أن توجه إليهم النصح. جل ما يَسمَح لك وضعُك في جسم هذه الكنيسة هو أن تذهب إلى الصرح البطريركي بتواضع وخضوع الأبناء وتعرض رأيك على من هو رأس هذه الكنيسة وتستمع إلى توجيهاته لا أن تُسمعه توجيهاتك أنت فهو من يحكم على صوابية أدائك لا أنت على أدائه.

ومهما اختلفت معه بالرأي ومهما كنت عليه من صواب، مهما كنت عليه من حق – هذا في حال كنت على حق – فلا حق لك مطلقًا ومهما كان السبب أن تجرؤ فترفع الصوت في وجه من هو رأسك وأبوك فكيف لك مع أتباعك أن تمعنوا بالشتائم والإهانات ؟!… هذا إذا ما كنت راغبًا بأن تستمر عضوًا في جسم هذه الكنيسة…

أو لم يكن الأجدر بك يا من يعتبر نفسه الزعيم المسيحي من دون منازع أن تنتهر أتباعك وتمنعهم من فعل ما يفعلونه وقول ما يقولونه. لا لست أنت من يسائل ويحاسِب بل أنت هو من يساءَل ويحاسَب. أنت مطالب وستخضع للحساب مثل غيرك. لا لا يمكنك أن تتملّص من أفعال أتباعك بحجة أنّها فورة شباب وردة فعل شارع أنت غير مسؤول عنها. لا بل أنت مسؤول ومتهم بتحريض أتباعك وإذا كنت بريئًا حقًا من أفعالهم فأثبت هذا. أتحداك بأن تفعل. أنت مطالب بالإعتذار والتوبة والتكفير عن أفعالك واقوالك وأفعال وأقوال أتباعك.

هل ستقول أن غبطة البطريرك أبينا هو من جلب على نفسه ردة الفعل هذه؟ حسنًا سوف أجاريك. إذًا برأيك على غبطة البطريرك أن يستقيل لأنه اتخذ موقفًا سياسيًا وجدته أنت وبرأيك منحازًا لأنّه أتى غير مناسب لك وقد يكون كلفك أصواتًا في الإنتخابات تعتبرها من حقك. طيب ماذا لو أن موقف البطريرك كان موافقًا لك. بالطبع كنت ستقول أنه موقف مشرّف وشجاع وحكيم. البطريرك يستحق الإقالة لأنه برأي الجنرال اتخذ موقفًا خاطئًا. فما الذي تستحقه أنت مع سواك من السياسيين يا من كلفتنا سياساتكم ونهمكم إلى السلطة أنهار الدماء التي ستظل تصرخ نحو عرش إلهنا مطالبة عدالته بالإقتصاص منكم ومن كذبكم.
ومن تكون أنت أو ذاك الأرعن رفيقك القابع في زغرتا حتى تتطاولوا على من مسحه الرب ليكون رأسًا لكما وأبًا.

إسمعا جيدًا قصة الملك شاول وداود، تجدانها في الكتاب المقدس سفر صموئيل الأول الفصل الرابع والعشرون. مع أنني أشك كثيرًا بإمكانية أن يعني لكما الكتاب المقدس شيئًا… كان شاول بعد أن مسحه الرب ملكًا على شعبه قد حاد عن طريق الرب وارتكب القبائح أمامه. لذلك رذله الربّ واختار مكانه داود صغير عائلته ليمسحه صموئيل النبي ملكًا مكان شاول. فأخذت الغيرة من قلب شاول وبدأ يضطهد داود ويطارده. أما داود فما قبل يومًا أن يجابه شاول أو يقاومه بل اكتفى بالهرب من أمام وجهه مع أنّه كان عالمًا ومتيقنًا من أن الربّ اختاره ومسحه ملكًا بدل شاول. لماذا؟ لماذا لم يقاوم داود شاول؟ لماذا لم يقاتله؟ لماذا لم يمد يده ليقتله عندما سنحت له الفرصة بذلك؟ اسمعا ما قاله داود لرجاله: "حاشا لي بالربّ أن أصنع هذا الأمر بسيدي مسيح الربّ، وأرفع عليه يدي، لأنه مسيح الربّ". إذا كان هذا موقف داود من شاول الملك الفاسد وهو عالم يقينًا أن الرب اختاره هو فكم بالحري بك أنت أيها الجنرال يا من لم تنل سوى مسحة الدم على يديك أم نسيت أنك منغمس بالدّم حتى رأسك المملوء كبرياء وغطرسة. إذا كان هذا موقف داود البار من شاول المجرم فكيف لك أنت ورفيقك أرعن زغرتا أن تتجرآ وتتطاولا وتمدا لسانكما الذي يقطر سمّ الكذب والحقد على من مسحه الربّ ويديه اللتين تحملان كل يوم جسد ودم الربّ ما عرفتا يومًا سوى البركة بعكس يديكما أنتما اللتين ما عرفتا سوى الدمّ والبارود.

أنا لا أتهمك باتخاذ موقف سياسي خاطئ، لا ليست سياستك التي تزعجني. قد تكون على خطأ أو على صواب هو التاريخ من سيحكم عليك وعلى غيرك من السياسيين. إنما أقول لك إخرس! فليس لك الحق بأن تتكلّم مع أبي هكذا. فالبطريرك الماروني هو أبي وأب لكل إبن حقيقي لهذه الكنيسة. وأياك أن تقول أنك أيضًا أبن لها. فلو كنت إبنا لما تجرأت على أبيك.

نعم إن البطريرك الماروني هو أبي. ولو سلمت جدلا بأنه قد أخطأ فلا أسمح لك أو لأي كان أن يخاطبه بهذه اللهجة أو يقول له هذا الكلام. مهما يكن مشروعك السياسي لم يعد يهمني.

نعم لم تعد تهمني لا أنت ولا غيرك من السياسيين. عن أي سياسة تتكلم، أي إصلاح أي تغيير؟!… كلكم كذبتم! كلكم! بسببكم كلكم، إخوتي، أقاربي، جيراني، أصدقائي ماتوا في حروبكم وفي سكرة نهمكم للسلطة. ألا اسكتوا! الا اخرسوا! إخجلوا …إرحلوا… إرحلوا.

لقد تجاوزت الخط الأحمر أيها الجنرال. إنك عارٌ على إسمك فهل تعرف معنى هذا الإسم الذي تحمله. ميخائيل: من كالله! هو صرخة مار ميخائيل رئيس الملائكة بوجه لوسيفوروس الذي اعتد بنفسه وقرر أن ينصِّب نفسه مكان الله. تمامًا مثلك أنت ورفيقك أرعن زغرتا قررت أن ترتفعا وتنصبا أنفسكما مكان سيّد بكركي. فاسمعا أيها الطاغيتان كلمة الرب لكما على لسان آشعيا النبّي:

كُنتَ تقولُ في قلبِكَ سأصعَدُ إلى أعالي السَّماءِ وأرفَعُ فَوقَ كواكِبِ اللهِ عرشي. أجلِسُ على جبَلِ الآلِهَةِ، هُناكَ في أقاصي الشَّمالِ وأرتَقي أعالي السَّحابِ. وأكونُ شَبـيهاً بالعليِّ. لكنَّكَ انحَدَرتَ إلى عالَمِ الأمواتِ، إلى أعماقِ الهاويةِ. يتفرَّسُ مَنْ يراكَ ويسألُ أهذا الّذي زَلزَلَ الأرضَ أهذا الّذي زَعزَعَ المَمالِكَ جعَلَ العالَمَ مِثلَ القَفرِ ودَكَّ إلى الأرضِ مُدُنَهُ، وما أطلَقَ أسراهُ إلى بُيوتِهِم. جميعُ مُلوكِ الأُمَمِ رَقَدوا، كُلُّ واحدٍ بكرامةٍ في قبرِهِ. وأنتَ طُرِحْتَ بعيداً مِنْ قبرِكَ كما يُطرَحُ الغُصنُ الذَّابِلُ. يُغَطِّيكَ القَتلى المَطعونونَ بالحِرابِ، السَّاقطونَ على حجارةِ البُورِ، كالجُثَّةِ داسَتْها الأقدامُ. لن يجمَعَكَ وإيَّاهُم مدفَنٌ، لأنَّكَ أنتَ دَمَّرْتَ أرضَكَ وتَسبَّبْتَ بقتلِ شعبِكَ. نَسلُ الأشرارِ لا يُذكَرُ أبداً، فبَنوهُم يُذبَحونَ بإثْمِ آبائِهِم. لا يقومونَ ولا يَرِثونَ أرضَهُم، ولا يَملأُونَ وجهَ العالَمِ مُدُناً. وقالَ الرّبُّ القديرُ أقومُ علَيهِم وأستَأصِلُ مِنْ بابِلَ الاسمَ والبقيَّةَ الباقيةَ والذُّرِّيَّةَ والنَّسلَ، وأُوَرِّثُها لِلقَنافِذِ، وأجمَعُها مُستَنقَعاتٍ لِلمياهِ، وأُكنِّسُها بمِكنَسَةِ الفَناءِ. آشعيا 14، 13-23

نعم إنّكما لزائلان وستسقطان، على مثال نابوليون وهتلر وباقي الطغاة المتعجرفين يجركما ذنب لوسيفوروس الملاك الساقط. نعم سوف تذروكما كالعصافة الرياح ومثل الأشرار لن تنتصبا في الدينونة فإن الربّ عالمٌ بما في قلبكما وأن إلى الهلاك طريقكما. مز1، 4-6

كلمتي الثانية أوجهها لكل من يتشدق متفلسفًا باللاهوت والأخلاقيات المسيحية ويقول ان غبطة البطريرك الماروني يجب أن لا يتدخل بالسياسة أو أن يتفوه بكلام سياسي. فلننه هذا الجدل مرة نهائية وليكن في علم الجميع:

إن الكنيسة المارونية والمارونية لم تكن يومًا في تاريخها الزاخر بالنضال والمقاومة حتى الدم مجرد حالة دينية أو روحية. ومنذ نشأت هذه الكنيسة كانت وستظل حتى ظهور ربنا في مجده واكتمال الزمان، كنيسة وشعبا له وجوده وهويته الخاصين على جميع الأصعدة، الروحية، السياسية، الإقتصادية، الثقافية، الإجتماعية. هذه الكنيسة لها كل مقومات الأمة والشعب. وكان البطريرك الماروني وسيظل حتى ظهور ربنا واكتمال الزمان، رأس هذه الكنيسة وقائد هذه الأمة وزعيم هذا الشعب الأول والأخير شاء من شاء وأبى من أبى.

على مدى تاريخ هذه الكنيسة كان بطريركها الوحيد بين جميع بطاركة الشرق الذي ما أخذ إذنًا أو مرسوم تثبيت من خليفة أو سلطان أو باب عالٍ أو حتى من أمبراطور سوى من بطرس وخلفائه. هو الوحيد الذي يحمل إسم بطرس ولم يكن له أو لشعبه ولاء وطاعة سوى لبطرس وخلفائه. إن عتبة الصرح البطريركي من كفرحي إلى قنوبين إلى يانوح وإيليج حتى بكركي والديمان استمرت مرتفعة وشامخة في تواضعها فوق كل الأبواب العالية، صامدة ثابتة وحرّة، وستظل كذلك حتى ظهور ربنا واكتمال الزمان. لذلك فالبطريرك الماروني الذي ما خضع يومًا مع شعبه لجبابرة وماردي الزمن الغابر لن يستطيع أقزام هذا الزمان السيئ أن يخضعوه أو أن ينالوا من رفعته وشموخه فهو من وُهبَ مجد لبنان. توالت الممالك والأمبراطوريات والدول والخلافات والسلطنات وزالت مع أسيادها لكن الكنيسة المارونية ثبتت واستمرت بقيادة بطريركها المغبوط.

البطريرك الماروني هو صانع لبنان الكبير وهو حارسه وقائده. كلمته هي الفصل. البطريرك الماروني لا يطالَب بل يطالِب، لا يساءَل بل يسائل، لا يحاسَب بل يحاسِب. البطريرك الماروني لا يُطلب منه إعلان ولاء أو تأييد بل تُؤخذ منه البركة والتوجيه. أمّا الذين لديهم تساؤلات حول وطنية غبطته أو مفهومه للسيادة أو للكيان فنقول لهم: عذرًا إن مجرد تساؤلكم هو إهانة! إن البطريركية المارونية هي من أعطت لمفهوم الوطنية في لبنان حيثيتها ومضمونها وصرحها هو عنوان الكيان ورمز السيادة اللبنانية، شاء من شاء وأبى من أبى. لربما إذا ما رجعتم بالذاكرة إلى تاريخكم مع هذه البطريركية ومع غبطته تحديدًا لا تعودون تشعرون بالحاجة إلى تساؤلاتكم.

كلمتي الأخيرة أوجهها لسماحة السيد حسن نصرالله. عذرًا سماحتك أنا أيضًا لم أفهم. أنا لا أريد بأي شكل من الأشكال أن أسيء إلى المعتقد الديني لأي أحد فأنا رجل دين وأقدر كثيرًا قيمة المعتقد لدى المؤمن وأؤمن بحرية المعتقد والإيمان. لذلك سأكون سعيدًا وممتنًا حقًا إذ ما ساعدتني كي أفهم متى أكون أسيء إلى معتقدك كي لا أفعل.

هل إذا ما قلت أنه بالنسبة لي كمسيحي مفهوم ولاية الفقيه غير مقبول عندي، أسيء إلى معتقدك الديني؟ لماذا؟ بالنسبة لك إن إيماني برمته أعني بهذا أيماني بألوهية المسيح يسوع وإيماني بعقيدة الثالوث والتجسد والفداء وبخلق الإنسان على صورة الله ومثاله، كل هذه العقائد هي بالنسبة لك كفرٌ وإشراك. ولا بأس في ذلك بالنسبة لي فهذا من حقك. وأنا أحترم حقك بأن تقول ما تشاء عن إيماني ولا يزعجني ولا أسمح لنفسي حتى بأن أنزعج منه شرط أن تعترف بحقي المماثل وأن نتفق أن لكل إيمانه وليس لأحد أن يمنع آخر من الأيمان بما يشاء وكيف ما يشاء وله الحق بالدعوة لإيمانه شرط أن لا يستعمل في ذلك سوى الطرق السلمية غير العنفية. هل نحن متفقون على كل هذا؟ أنا شبه أكيد من ذلك، على الأقل هذا ما فهمته من كلامك.

أن تريد أن يكون لمفهوم ولاية الفقيه تَحَكُمٌ في حياتك وأدائك السياسي هذا من حقك ولا بأس في ذلك ولا يزعجني أبدًا. إنما أريد أن أقول لك أن ما ترتضيه لحياتك أرفضه أنا لحياتي. فهل في هذا انتقاص لحرمة وكرامة إيمانك؟ إذا كان الأمر كذلك، فأنا في غاية الأسف إذ لا يمكنني فعل أي شيء حيال ذلك فأنا غير مستعد للتخلي عن أبسط حقوقي كأنسان مثلما لا أقبل أن تفعل ذلك أنت. ولست خائفًا مطلقًا من التمسك بحقي كما لا أقبل أن تكون خائفًا من التمسك بحقك. إذًا أين هن المشكلة؟ أنا لم أفهم.

هناك سؤال أخير أود طرحه على سماحتك. كيف يمكنك وأنت رجل الدين المحترم لدى شعبه أن تتقبل التحالف مع أناس لا يترددون برشق أعلى مرجعياتهم الدينية بالشتم والإحتقار. كيف يمكنك تقبل هذا والسكوت عليه. شخصيًا أعتبر من لا يحترم دينه غير جديرٍ باحترامي ولو كان من غير ديني هذا إذا كنت أحترم أديان الآخرين ولو ما آمنت بها.
لا أقول بأنّك لا تحترم الدين المسيحي ولكن كيف يمكنك الوثوق بمن ليس فيهم مخافة الله حتى يحقِّروا أعلى مرجعياتهم الدينية. يا سيّد لقد تجاوز حلفاؤك الخط الأحمر، أفليس عندك ما تقوله لهم؟ ألا تشعر بواجب الإستنكار. هم شركاؤك فهل سماحتك شريكهم في وقاحتهم وجسارتهم. لا أريد أن أظن ذلك لأنه إن صح لا سمح الله فأي مستقبل للعيش المشترك في هذا البلد؟!… لكنني هنا أيضًا لم أفهم؟؟؟…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل