بين أفغانستان وإيران: تطرفان لا يصنعان "دِين" ولا "دولة"!!
يتجنّب الكثير من المحللين السياسيين تصدير آرائهم في ما يحدث في إيران، فيما بعض آخر يرى أن ما يحدث في إيران "ثورة حقيقية" نجاحها مرهون بقدرتها على الصمود حتى تتحول رياح العالم لدعمها، وبعض ثانٍ يُشبه "البقَّـة" تعيش على امتصاص أموال الشعب الإيراني الغاضب وتقبض رواتبها من هناك، ويكادون ينادون من على الشاشات بإحراق هؤلاء الإيرانيين الذين سيتسببون في قطع أرزاقهم فيضطرون بعد توقف جريان المال الإيراني في مزاريبهم إلى التسوّل على أعتاب أنظمة أخرى ويدفنون رؤوسهم في الرمل كنعامة لا تريد أن ترى ما يرسله الشعب الإيراني للعالم ليراه، وبعض ثالث يتريّث في انتظار ما ستؤول إليه الأمور حفاظاً على "برستيج" لقب المحلل..
وسندّعي أن لنا "قراءة خاصة" نطرحها اليوم على القارىء في انتظار قادم الأيام علّها تتبلور في عين الرؤية الاستراتيجية لمنطقة بأكملها، وبعيداً عن صخب سيل الاتهامات الذي يكيله أحمدي نجاد للمتآمرين والذي لا يتوافق أبداً مع إعلانه في 17/4/2008 «أن إيران هي "أقوى دولة على وجه الأرض"، ولا يتفق أيضاً مع إعلانه أيضاً: "الشعب الإيراني هو الأقوى والأكثر استقلالا في العالم، ثم نراه يضرب ويقتل في شوارع عاصمته"، وإعلانه أيضاً: "بفضل الله و مقاومة الشعب الإيراني.. زال إلى الأبد شبح تهديد إيران، كما أعلن رسمياً أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية أصبحت قوة عظمى فعلية"!!.
ومن السذاجة قراءة ما يجري في إيران على أنه مجرد أحداث داخلية تسبب بها التزوير في نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانيّة، لا نستطيع أن نقرأ ما يحدث إلا بعد قراءة واضحة في حدود الخارطة الجغرافية فإيران يحدّها من الشرق باكستان وأفغانستان، وكلا الدولتين تشهدان عمليات جذرية لتغيير واقع فرض نفسه منذ العام 1979 عليهما وعلى إيران أيضاً، ويحدّها من الغرب تركيا والعراق الذي يستعد لمغادرة الجيش الأميركي، ومن الغباء الظن أن العراق فييتنام ثانية والذين يرفعون شعار هزيمة أميركا في فييتنام ما عليهم إلا أن ينظروا إلى كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية والتهديد المتبادل بينهما، ويحدّها من الجنوب الخليج الذي يفصل بينها وبين دول مجلس التعاون الخليجي وبحر عمان، المنطقة العربية التي تنظر بريبة وقلق إلى إيران ومشاريعها لتصدير الثورة!!
ومن السذاجة بمكان أن لا ينظر أي محللّ سياسي أو حتى قارئ جيد لأحداث التاريخ وتزامن تواريخها على أنها مجرد "صدف" عصفت في منطقة واحدة متجاورة.. وربما تسهل علينا العودة ثلاثة عقود من الزمن إلى الوراء ليذهلنا هذا التزامن المريب بين ما حدث في أفغانستان وفي إيران أيضاً، وسيكون من المفيد أيضاً أن نطل على قراءة مقارنة بين الأخطاء المميتة التي ارتكبها "الشاهنشاه" محمد رضا بهلوي قبيل سقوط إمبراطوريته، وبين الأخطاء المميتة التي ارتكبها أحمدي نجاد، حتى يرفع الشعب الإيراني صوته بنداء "الله أكبر" بكل دلالاته الإسلامية من على سطوح منازل طهران في وجه الشاه ثم في وجه أحمدي نجاد ويهتف: "يسقط الديكتاتور"!!
في تاريخين تزامنا في عام واحد هو العام 1979، نشأت جمهورية إسلامية "أصولية" شيعية في إيران، في 1 شباط 1979 وهو تاريخ عودة الخميني إلى طهران من منفاه في باريس بعدما قررت أميركا أن الشاه يجب أن يغادر، فإيران لها حدود طويلة مع عدوها الاتحاد السوفياتي ومن أكبر الدولة المصدرة للنفط، سقط الشاه ورحل بعدما احتفل قبل أعوام بـمرور 2500 سنة على قيام الإمبراطورية الفارسية في حفل بالغ التبذير والإسراف فيما الشعب الإيراني يئن من الجوع والبطالة!!
وعلى حدود إيران الشرقيّة في أفغانستان شُدّ عصب إسلام سنّي "أصولي" أكثر منها تحت عنوان الجهاد ضد الاتحاد السوفياتي المحتل الكافر الملحد، فقد شكلت أفغانستان عبر التاريخ ممراً للتجارة بين الشرق والغرب ما جعل منها قبلة للغزاة والطامحين لتأسيس إمبراطوريات ممتدة، لكن البلاد التي وصلها الإسلام عام 624 تسببت، كما يقول أهلها، بانهيار إمبراطوريتين حتى الآن فقد هزمت بريطانيا التي حاولت غزوها مرتين في القرن التاسع عشر كما هزمت الاتحاد السوفياتي الذي غزاها بنحو 25 ألف جندي في 26/12/1979 بحجة حماية حدوده الجنوبية، ودعم حكومة شيوعية موالية لموسكو بقيادة بابرك كارمل الذي قاد انقلابا على الرئيس السابق حفيظ الله أمين، وانتهى الأمر بكابل بصراع سُنّي شيعي، ثم سيطرة طالبان عام 1996 سيطرة كاملة على الحكم، عندما كانت الحرب الباردة على أشدها بين السوفيات والأميركيين كانت أداتهما في هذا التناتش للسيطرة أصولية شيعية في إيران وأخرى سُنيّة في أفغانستان وباكستان أيضاً؟
وفي وقت تتبدّل فيه ملامح أفغانستان وباكستان التي تشن حرب القضاء على "طالبان" ذيل القاعدة وحضنها، هل يصح أن نقارب هذا التزامن التاريخي بسؤال حول مراهنة كثيرين على سيطرة "إسلامية "أصولية شيعية" على المنطقة متمنين هزيمة أميركا في أفغانستان، ومنتظرين انسحابها من العراق؟ من الغباء الشديد أن يظن البعض أن أميركا ستدير ظهرها لآبار النفط في المنطقة وتتركها لقمة سائغة لإيران؟ يبدو السؤال ملحاً جداً في هذه المرحلة هل قررت أميركا ومن معها "تغيير وجه المنطقة في أفغانستان وباكستان وأن إيران حان دورها أيضاً؟
ما الفرق بين أن يبذّر "الشاهنشاه" أموال الشعب الإيراني وأن يضطهده للاحتفال بإمبراطورية زالت، وبين أن يبذر أحمدي نجاد أموال الشعب الإيراني على أذرعته العسكرية في لبنان وفلسطين والعراق وسواها، ليعلن إيران أقوى دولة على وجه الأرض؟ وما الفرق بين أن تقتل شرطة الشاه المتظاهرين في شوارع طهران وبين أن يطلق النار عليهم شرطة نجاد بتهمة الشغب والعمالة، وهل يظن حقاً من يصم أذنيه عن هتاف الشعب الإيراني أن الشعب الذي أسقط الشاه سيعجز عن إسقاط نجاد، إلا إذا كان الفاعل "آخر" يختبئ للمرة الثانية خلف الشعب الإيراني!! هل جاء زمن انتهاء الأصوليات ودولها؟!
واستطراداً وعلى هامش السؤال، وحده الرئيس السوري يبدو أنه التقط إشارة الرسالة الإيرانية، فسورية لا تحتمل مشهداً كالذي نراه في شوارع طهران، وربما في السلام "سلامة النظام"، في وقت ترعبنا فيه "زمجرة" عون، وصياح "ديكة" مزابل السياسة، وفحيح المخوفين لنا بخطاب نتنياهو، والساعين إلى ابتزاز لبنان واللبنانيين بهذا الخطاب، ننتظر أن نسمع تصريحات "ذئابهم" و"ثعالبهم" وبماذا سيبررون لنا الرسالة الرئاسية السورية إلى "المتطرف" رئيس حكومة العدو "النتن" بنيامين نتانياهو، معلناً استعداده لاستئناف مفاوضات السلام مع سورية عبر الوسيط التركي النزيه!!