بين المسارعة إلى تهنئة نجاد وتجنّب السياسيين التورّط في الاجتهادات
لبنان الرسمي والسياسي نجح في تجاوز "القطوع الإيراني"
يبدي مرجع رسمي كبير اعتقاده ان الازمة في ايران التي تفجرت على خلفية نتائج الانتخابات الرئاسية فيها مرشحة وفق كل المعطيات المتوافرة الى التراجع وبروز قدرة النظام على اعادة الامساك بالامور في المبدأ. ولا يخفي هذا المرجع ان التطورات الدامية التي بدأت في طهران رفضا لنتائج الانتخابات الرئاسية فيها، بذريعة التزوير الكبير الذي حصل فيها بعد ايام على انتهاء الانتخابات الاشتراعية في لبنان في 7 حزيران الجاري، اثارت مخاوف كبيرة لدى المرجع الرسمي وسائر المسؤولين.
فلبنان اجتاز الاستحقاق الانتخابي بمناخ امني مستقر ومعقول الى حد بعيد، وانتهت هذه الانتخابات الى نتائج قبل بها الجميع على رغم محاولات بعضهم تبرير الخسارة بالقاء التبعة على ما شاب العملية الانتخابية من ثغر فحسب بدل مراجعة الاخطاء الكبيرة لدى هؤلاء. وكان لبنان بدأ تلقي التهانئ التي انهالت على رئيس الجمهورية ميشال سليمان في الدرجة الاولى، مشيدة بالانتخابات وبالاجواء الديموقراطية التي تحلى بها الجميع في المبدأ، وفجأة بدأت نتائج الانتخابات الايرانية تتفاعل. لذلك كان الانطباع الاول الذي اثارته هذه التطورات ان لبنان غير محظوظ البتة اذ انه ما ان يكاد يعبر قطوعاً بعد جهود كثيرة في الاشهر الماضية من اجل إمراره باستقرار وامان حتى تبرز مسألة ما تنذر باحتمالات او انعكاسات لا تبدو تفاؤلية بالنسبة اليه. وسرعان ما برز اتجاه رسمي الى محاولة تحييد لبنان عن انعكاس الصراع الداخلي في ايران عليه من خلال مسارعة رئيس الجمهورية الى ارسال برقية تهنئة الى الرئيس الايراني احمدي نجاد الذي اعلن فوزه في ايران، علما ان لبنان كان من الدول القليلة الى جانب سوريا التي سارعت الى تهنئة نجاد وسط تصاعد الاحتجاجات الشعبية ضد اعلان فوزه. كما تجلت هذه المحاولة في تحييد لبنان باسداء النصح الى بعض الاطراف بعدم الانزلاق، تحت وطأة تحليل الاوضاع المتصاعدة في ايران وما يمكن ان تؤول اليه، الى ما يمكن ان يساء تفسيره او توظيفه. اذ ان الوضع في ايران احدث ارباكات على مستويات عدة في الداخل اللبناني خصوصا لدى "حزب الله"، باعتباره طرفاً معنياً بالوضع الايراني وبالعلاقات مع قادته. وترقب الجميع ردود فعل الحزب الذي راوحت التقديرات في شأن أدائه وموقفه في المرحلة المستقبلية القريبة تبعا لتطورات الموقف في ايران.
لكن الارتباك لم يقتصر على "حزب الله" وحده، اذ تكشف مصادر ديبلوماسية غربية ان الارباك أصاب على ما بدا عددا كبيرا من الدول خصوصا الصديقة منها لايران وفي مقدمها سوريا، علما ان عامل المفاجأة كان قويا بالنسبة الى الجميع لاعتقاد ان النظام في ايران متماسك وقوي اكثر مما اظهرته الانقسامات في الايام التي تلت اعلان نتائج الانتخابات. ولاحظت المصادر ان دمشق لم تعلق في البداية اطلاقا على ما يجري في ايران باستثناء مسارعتها هي ايضا الى تهنئة نجاد. وقال وزير خارجيتها وليد المعلم قبل ايام، إثر اتضاح اتجاه الحسم، بعدم وجوب الرهان على تغييرات في ايران نتيجة التطورات الدراماتيكية فيها، الامر الذي تعتبره المصادر تعبيرا عن ارتباك، وذلك لادراك سوريا كما الجميع ما تحمل هذه التطورات من احتمالات وانعكاسات على المنطقة والعالم بدأت ترسم السيناريوات له تبعا لما يمكن ان تؤول اليه الاحداث الايرانية، فلكل الدول حساباتها وموقعها واي طارئ بهذه الاهمية يدخل على المشهد السياسي الاقليمي يرتب حسابات جديدة لا بد ان تتبلور لاحقا في وقت ما اياً تكن النتيجة، اي انكفاء عوامل هذا المشهد او استمراريتها.
ولا يخفي المرجع المعني ان عدم دخول الافرقاء السياسيين في معمعة الشأن الايراني تصريحا او تحليلا كان امرا في غاية الايجابية بصرف النظر عما يمكن ان تحمله الرهانات على المستوى الشخصي. وهذا ما اظهر ادراكاً عند الزعماء اللبنانيين لضرورة النأي بلبنان عن التورط في اي جدل خشية تحويل لبنان ساحة يمكن ان يلجأ اليها بعضهم من اجل نقل خلافاته اليه او ارسال الرسائل عبره. وهذه العوامل ساهمت في تهدئة المخاوف الكبيرة التي تفاعلت فور تفجر الوضع الايراني.
هل هذا يعني الاطمئنان الى ان لبنان اجتاز قطوعا آخر جديدا ؟
تقول المصادر الديبلوماسية المعنية إن الوضع الايراني يخضع لمتابعة دقيقة في هذه المرحلة. وكان كذلك من موقع آخر نظراً الى الملف النووي الايراني والى الحوار الاميركي المرتقب مع ايران، لكن هذا الوضع سيبقى كذلك لوقت طويل اذ ان متغيرات كثيرة دخلت عليه، وتتصل بالداخل كما تتصل بالخارج ايضا ولا بد من ان تترجم نفسها في شكل او آخر. وبحسب المعطيات المتوافرة فان بعض التوقعات يصب في خانة تليين بعض المواقف انطلاقا من اعتقاد بأن ايران "الهشة" داخليا لن تسعر ردود فعل اضافية على نفوذها خارج ايران في هذه المرحلة الحساسة، بل على النقيض من ذلك، علما ان خطها البياني في المنطقة أقله منذ مطلع السنة الجارية لم يكن في مصلحتها. لكن باب المفاجآت وفق ما يقول هؤلاء يستمر مفتوحا، وهو العامل الاكثر ثباتا في النظر الى منطقة الشرق الاوسط.