#adsense

عوامل النجاح في الامتحان التاريخي

حجم الخط

عوامل النجاح في الامتحان التاريخي
عبدو شامي

لقد خضع جمهور ثورة الأرز لامتحان تاريخي في السابع من حزيران 2009، لم تُقدِم المعارضة على تعطيله كما توقّع بعض المحلّلين، لأنها على ما يبدو كانت واثقة فعلاً من فوزها فيه، إلا أن ثوار الأرز نجحوا في امتحانهم نجاحاً باهراً، وكان وراء نجاحهم العوامل التالية:

1- توفيق الله تعالى للقوى الاستقلالية السيادية، في معركتها الديموقراطية السلمية والمصيرية ضد من أجاز لنفسه تخوين مخالفيه بفعل احتكاره "المقاومة"، وحاول "أبْلَسَة" معارضيه باحتكاره الذات الالهية من خلال إلصاقه صفة الألوهية بحزبه وكل ما يصدر عنه من أفكار وأفعال وممارسات، لا يبالي إن وصلت الى حد انتهاك حرمات الناس ودمائهم وكراماتهم في يوم أسود أليم، صنّفه في قاموسه الدموي على أنه يوم مجيد من أيام المقاومة.

2- ادراك الناخب اللبناني عموماً والناخب المسيحي خصوصاً، أن الإنتخابات النيابية فرصته للمساءلة والمحاسبة، وأن صوته يتحمّل المسؤولية الكبرى في ترجيح كفة الدولة المهدَّدة على الدويلة المتنامية، لأنه مَن سيقرر مصير لبنان: هوية ونظاماً وكياناً. فقد أيقن الناخبون المسيحيون، المثقفون منهم والواعون على وجه الخصوص، أن البرنامج الإنتخابي الذي اقترع له نحو 70% منهم عام 2005 مأخوذين بشعاراته الوطنية الصافية، لم ينفَّذ منه بند واحد، بل نُفّذ كل ما يخالف مضمونه.

كما لمسوا حقيقةً أن رافع تلك الشعارات خدعهم فانقلب عليها وصار ملحقاً بالزعامة الشيعية او تابعاً لها، وتمادى في ارتكاب الخطايا التي انتهكت الثوابت المسيحية التاريخية، القائمة على الكنيسة والكيان والسيادة والاستقلال، وذلك من خلال الإنقضاض على انجازات ثورة الأرز وإهانة رموزها وشهدائها، والهجوم المركز على رأس الكنيسة ورئاسة الجمهورية، والإمعان في دعم أحزاب مسلحة خارجة على الشرعية اللبنانية، وتغطية سلاحها ومشروعها المهدِّد للكيان اللبناني ونظامه وتنوعه وسلمه الأهلي.

3- الاستجابة لنداء بكركي التاريخي الحريصة دائما على مصلحة لبنان، عندما ارتفع صوت سيّدها البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير عشية المعركة المصيرية في صرخة من القلب والضمير الى القلب والضمير، واضعاً المسيحيين أمام مسؤولياتهم لإعادة توجيه بوصلتهم الوطنية والسياسية في الاتجاه الصحيح، بقوله: "إننا اليوم أمام تهديد للكيان اللبناني ولهويّتنا العربية، وهذا خطر يجب التنبّه له؛ ولهذا، إن الواجب يقضي علينا بأن نكون واعين لما يدبر لنا من مكايد، ونحبط المساعي الحثيثة التي ستغيّر إذا نجحت وجه بلدنا". وبتجاوبهم مع هذا النداء التاريخي، قطعوا الطريق أ مام مَن راهن على آفة التبعية العمياء التي تحط من قيمة الإنسان، ظاناً أنه قادر على الذهاب بلبنان وبمسيحييه إلى حيث يشاء، بعيداً جداً عن ثوابتهم التاريخية والوطنية والثقافية.

4- حسن توصيف قوى 14 آذار الإستحقاق الانتخابي للعام 2009 على أنه "أكثر الإنتخابات مصيرية ومفصلية في تاريخ لبنان"، وإدراك جمهور انتفاضة الاستقلال صوابية وصدقية هذا التوصيف، وهو ما أثبته تصريح الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في 25/5/2009 الذي أربك المعارضة نفسها، فقد اعتبر فيه أن "فوز المعارضة في الانتخابات النيابية اللبنانية سيقوي المقاومة ويغيّر الأوضاع في المنطقة"، ما يعني وقوع لبنان في قبضة المحور السوري -الايراني بالكامل وبشكل رسمي، الأمر الذي سيكرّس لبنان نهائياً كساحة مفتوحة لنظام ولاية الفقيه الشمولي يعبث بها كيف يشاء، بما يخدم مشروعه الشعوبي الفارسي بجذوره وأطماعه التاريخية.

5- نجاح قوى 14آذار في تقديم برنامج انتخابي متكامل خاضت على أساسه الإستحقاق النيابي تحت عنوان "العبور الى الدولة"، تركّز على مشروع الدولة والسيادة والحرية والاستقرار والإزدهار الإقتصادي، في جو من الإنفتاح على الشركاء في الوطن مرعاة للتنوّع والتعدّدية التي يتميّز بها لبنان. وفي المقابل اكتفى فريق 8آذار بشعارات طنانة ولم يقدم الى جمهوره سوى مجموعة من الرؤى التي لا تبني وطناً، طغى فيها البُعد السلطوي على البُعد الوطني والإصلاحي، لا سيّما مع رفعه شعارات المشاركة والثلث المعطّل والجمهورية الثالثة وصلاحيات الرئاسة الأولى… كل ذلك بلغة اتهامية واتجاه إلغائي لبعض الشركاء في الوطن، مثل عبارة: "إنهاء سلالة حكمت البلاد منذ العام 1992"!

6- تضامن قوى 14آذار وحُسن تعاونها فيما بينها، ودقّة اختيارها تحالفاتها الإنتخابية بانفتاحها على المستقلين، والتضحيات التي قدّمها العديد من اعضائها وقياداتها مقدّمين الصالح العام لثورة الأرز على المصالح الحزبية والشخصية وإن كانت محقة احياناً كما في الدوائر ذات الثقل الشعبي للطرف المتنازل عن ترشيحه، وذلك من أجل كسب المعركة التاريخية والمحافظة على وحدة الصف، في وجه مخطط تصدير الثورة الإيرانية وأيامها المجيدة الى لبنان.

7- صبر جمهور الحرية والسيادة والإستقلال، والنساء منهم خصوصاً وكذلك المرضى والعجّز، على بطء عملية الإقتراع المتعمّد في بعض الأقلام المرجّحة، وتحمّلهم الإكتظاظ الشديد الذي اختنقت به مراكز الإقتراع، فقد شهدت كثافة مقترعين غير مسبوقة في تاريخ لبنان (54,8%) مع احتشاد الناخبين فيها صفوفاً متراصة وطوابير لا متناهية منذ الصباح الباكر تحت أشعة الشمس الحارقة والجو اللاهب، ومنهم من عبر القارات واجتاز المحيطات، وما ذلك إلا إصراراً منهم على الإدلاء بأصواتهم التي أدركوا أهمية كل صوت منها في قلب موازين معركتهم المصيرية، ونيل شرف القيام بواجب إنقاذ وطنه من المخاطر التي تتهدّده. هذه العوامل مجتمعة أثمرت فوزاً كاسحاً لقوى 14 آذار حيث نالت71 مقعداً نيابياً مقابل 57 للمعارضة، مجدّدة بذلك أكثريتها النيابية التي ثبت أنها حقيقة غير وهمية ولا دفترية ولا مسروقة، ومنتصرة لمنطق الدولة على الدويلة، ولثقافة الحياة على ثقافة الموت، وللحرية والسيادة على التبعية والإرتهان. كما أكدت النتائج التي انتهت إليها الانتخابات النيابية، تبدُّد وانتهاء أسطورة ال70% التي لطالما استقوى بها العماد عون، فقد أظهرت دراسة لمجمل النتائج التي أدت اليها عمليات الفرز الرسمي، أن 58% من الناخبين المسيحيين صوّتوا ضد لوائح الجنرال، فيما صوّت 42% لمصلحتها، ما يعني انتفاء حصرية تمثيل عون للمسيحيين ورفع الغطاء المسيحي عن الحزب المسلّح و"ورقة تفاهم 6 شباط".

وعلى الرغم من احتفاظ الجنرال بموقع متقدّم في النتائج، إلا "التيار الوطني الحر" لم يكن لينجح لولا الصوت الشيعي في جزين وبعبدا وجبيل، ولولا الصوت الأرمني في المتن. أما في كسروان فالأرقام جاءت متقاربة جداً و"على المنخار"؛ لكن الكارثة الكبرى كشفت عن وجهها في بيروت الأولى مع "الخمسة-صفر"المدوية، وفي البترون مع الخسارة "العائلية" التي لا تعوّض، وفي الكورة مع الثلاثية النظيفة، وفي زحلة حيث سقط الحليف بالضربة القاضية مع اكتساح لائحة 14 آذار مقاعدها السبعة، التي انضمت الى خماسية بيروت الأولى لتمنح 14 آذار الأكثرية.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل