#adsense

صراحة إحباط مؤقت!!

حجم الخط

صراحة إحباط مؤقت!!

"التسوية" قدر لبنان، مهما اتسعت شقّة الخلاف الكلّ محكوم في النهاية بسقف نعيش تحته جميعاً، وللعيش تحت هذا السقف المطلوب دائماً "تنازلات متبادلة".. لم يكن اليومين الأخيرين اللذين مرّا على جمهور 14 آذار سهلا البلع والهضم ، لأن هذا الجمهور تحديداً يتمايز بمسافة عقلانية يُساءل بها قياداته عند كل انعطافة، خصوصاً "التكويعات" المفاجئة، نعم ثمة سخط وإحباط خيما علينا وكان يوم الخميس الماضي ثقيل الظل على قلب هذا الجمهور، وهذه ردّة فعل طبيعية جداً على كل المرحلة السابقة التي عصفت بلبنان من استقالة تعطيل الحكومة مروراً بالاعتصام وصولاً إلى إقفال أبواب المجلس النيابي انتهاء بـ 7 أيار المشؤوم الأسود انتهاءً بالثلث المعطّل..

قد يكون كثيرون منا ظنوا أن انتصار 14 آذار الانتخابي وتكريس أكثريتها أكثرية حقيقية، سيقلب الطاولة على رأس لبنان، فهل كان علينا مثلاً إعلان "النصر الإلهي" والتصرف على طريقة المعارضة التي انتقدنا سلوكها مع الآخر طوال السنوات الماضية، ثم ما لبثت أن خيمت علينا خيبة "إعادة" انتخاب الرئيس نبيه بري على رأس المجلس النيابي بكل المآخذ على ممارساته خلال الفترة الماضية، وعلى ممارسات حركة أمل منذ ما قبل 7 أيار وما بعده أيضاً، وجاء الابتهاج "الهمجي" الذي أسفر عن سقوط قتيلة وأحد عشر جريحاً وزخات رصاص متل الشتي، وقذائف صاروخية كادت تحدث مجزرة في دار الأيتام الإسلامية، لتؤكد لنا أنه "فالج ما تعالج" وأن شيئاً لن يتغيّر، كل هذه تراكمت لتزيد حالة الغضب عند جمهور بيروت تحديداً، وجمهور 14 آذار عموماً الذي لا يوافق قياداته على إعادة انتخاب الرئيس بري رئيساً للمرة الخامسة، ولكن؟!

ثمة معادلة صعبة تفرض نفسها على اللبنانيين وعلينا الاعتراف بها ، لا أحد يستطيع أن يفرض على طائفة ممثليها،فلا 8 آذار استطاعت أن "تدحش" ميشال عون في أنوف المسيحيين وتفرضه ممثلاً أوحد عليهم، ولا حزب الله استطاع أن يفرض على الطائفة السُنيّة رئيس حكومة يمثلها رغم أنفها،ولا جمهور 14 آذار الطويل العريض استطاع إسقاط "الزلمي" مشؤوم العهد وسيء الذكر إميل لحود الذي اغتيل في عهده خيرة شباب لبنان، وحسناً فعل بطريرك لبنان يوم رفض إسقاطه في الشارع،كان الأمر ليكون شديد الخطورة لأنه لن يبقى بعدها أي من الرئاسات الثلاث على كرسيّة، بعد نظر وحكمة غبطته حمت لبنان من لحظة انزلاق خطيرة..

عملياً، لا يحقّ لنا أن نفرض على الطائفة الشيعيّة اختيار من يمثلها في الرئاسة الثانية، بل بشكل أوضح وأصرح ليس هناك شيعي واحد يستطيع ادعاء أنه يمثل هذه الطائفة من خارج ثنائية "أمل ـ حزب الله"،وهذا أمر أكدته الانتخابات الأخيرة ، فلا نستطيع أن نقبل جزءاً من نتائج الانتخابات يكرس 14 آذار منتصرة بمشروعها لبنان أولاً ، ويكسر "وهم" ادّعاء أن الأكثرية مسروقة بسبب التحالف الرباعي المشؤوم ، ولكن في جزء ثانٍ من هذه النتائج علينا الاعتراف بأنها كرّست ثنائية تمثيل حركة أمل وحزب الله للطائفة الشيعيّة وهذا أمر علينا احترامه والتعامل معه بإيجابية..

أما المحبطون جداً، ولأسباب تجاوزت إعادة انتخاب الرئيس بري رئيساً للمجلس النيابي ، ولأن لحظة الصراحة هذه مطلوبة،لسبب ما فرحة الانتصار في الانتخابات أنستنا كل ما اندفعت قيادات 14 آذار لإعلانه عناوين للمرحلة الحالية ليلة إعلان فوزها،دلونا على قيادة واحدة لم تحدثنا عن اليد الممدودة وطي صفحة السنوات الماضية والدعوة إلى الحوار والمشاركة والتأكيد على الوحدة الوطنية،من وليد جنبلاط،إلى سعد الحريري،إلى سمير جعجع،الثلاثة كانت مواقفهم واضحة وصريحة وأيديهم ممدودة للجميع، وأكدوا استعدادهم للقاء كل الأطراف الخصوم، هذا أولاً..

أما ثانياً ، فجمهور 14 آذار "نقّيز" ، وهو جمهور لا يُحبّ المفاجآت ، ولا يحب اللقاءات الليلية التي يتفاجأ بأخبارها صباحاً ، بدأ الأمر بلقاء جمع النائب وليد جنبلاط مع أمين عام حزب الله ، ثم لقاء ليلي آخر جمع سعد الحريري بنصر الله ، طبعاً اللقاءات ليلية،ليس لأن الليل "ستار العيوب" بل لضرورات أمنية لكل الأطراف،وعلينا أن نطرح السؤال على أنفسنا ، إذا كنا جميعاً لا نرى حلاً لخلافاتنا إلا بالحوار فلماذا نُحبط لحظة بدء فتح الأبواب المغلقة؟! حان الوقت لنستكين قليلاً ، ونتابع المشهد فإن عادوا عدنا.. لا أكثر ولا أقل..

يُعطي أحياناً هذا الإحباط انطباعاً بخلل في الثقة بين قيادات 14 آذار وجمهورها، وهذا غير دقيق إلى حد بعيد، فكثيراً ما كانت هذه القيادات تتفاجأ بإصرارنا وصمودنا كلما ملأنا الساحات ، ونحن نثق بهم وبصراحتهم أيضاً ، قد لا نحب "تكويعات" وليد جنبلاط ، ولا نستظرف تحوّلات "هوائياته" اللاقطة، ولكن لا يحق لنا أن ننكر دوره وحكمته طوال السنوات الأربع الماضية ، في لحظة انهيار وطني عام في 14 شباط الـ 2005 ، قاد الجموع بهدوء ومسالمة إلى 14 آذار.. ونثق بأن ثلاثي القيادة هذا لن يتأخر عن الانخراط في مشروع فرد شبكة هدوء وأمان واستقرار على اللبنانيين ، وكل من موقعه ، لذا علينا أن نكون عقلانيين قليلاً، فهذه الراديكالية ليست طابع جمهور 14 آذار لتعدديته وانفتاحه وتآلفه..

ولأننا مثلنا مثلكم في حال "الإحباط المؤقت" الذي خيّم علينا خلال الأيام الماضية ، علينا أن نقرأ الأمور بشكل مغاير بل عكسي، فماذا لو كان علينا الاختيار لرئاسة المجلس النيابي بين هذه الأسماء مثلاً وعدّوا على أصابعكم: محمد رعد ، محمد فنيش، على عمّار،نواف الموسوي، نبيه بري، ومن كنتم ستختارون رئيساً للمجلس النيابي؟ بالتأكيد لو أن الاختيار يعود إليكم ، لانتخبتم نبيه بري رئيساً وحبّة مسك، تخيلوا فقط لو كان علي عمار أو محمد رعد رئيساً لمجلس النواب، أمام هكذا احتمالات بصراحة الرئيس نبيه بري "جخّة" و "دحّة" أيضاً !!

ولنتذكر ملياً هذه الأيام جملة الشهيد سمير قصير وآخر عنوان كتبه قبل استشهاده:"الإحباط ليس قدراً"، و"الإحباط لا يصنع وطناً"،والسياسة ليست أكثر من مجموعة تسويات، سواء أعجبتنا أم لم تعجبنا، فلنحترم الديمقراطية التي نتمسّك بها، ولنحترم الذين وضعوا أوراقاً بيضاء وقالوا لا، والذين أيضاً قالوا نعم،هذه هي الديمقراطية.." ما زال المشوار طويلاً وعلينا ترقب مخاض تشكيل الحكومة ، ونحن أيضاً نسمّي سعد الحريري رئيساً لحكومة لبنان المقبلة..

المصدر:
الشرق

خبر عاجل