"يوم سعد"… رفيق الحريري!
لم تكن السجالات التي شهدها الوسط السياسي في اليومين الاخيرين أكثر من "لزوم ما لا يلزم". فمنذ انتهاء الانتخابات أعلنت الاكثرية النيابية أنها ستنتخب نبيه بري رئيساً لمجلس النواب لولاية جديدة، وكان من الطبيعي أن يكون سعد الحريري خيارها الاول في رئاسة الحكومة. وأما السباق على حجم الاصوات التي تنتخب رئيس مجلس أو تسمي رئيس حكومة، فلم يكن يوماً أبعد من حسابات سياسية قد تبدو أحياناً ذات طابع شخصي. ولعل بداية مرحلة جديدة ينبغي أن تشكل حافزاً للجميع للترفع عن هذه الحسابات والارتقاء الى مستوى تجاوز التشكيك والتوجس المتبادلين بين معارضة وأكثرية. فالتاريخ لا يدخل في التفاصيل ولا يسأل عن عدد الاصوات. وما يبقى في أذهان الناس هو النتائج والانجازات، ومَن عمل بصدق وتمكن من تحقيقها، في أي موقع كان. وبناء عليه، يمكن القول إن لا شأن للناس في سجالات اليومين الاخيرين.
وأما سؤال الاكثرية عن تفسير واضح ومقنع للامتناع عن تسمية رئيس للحكومة وفي الوقت نفسه إبداء الاستعداد للمشاركة في حكومة يترأسها، مع اشتراط حجم الحصص، فمتروك الجواب عنه للمعارضة التي اتخذت هذا الموقف في الاستشارات النيابية الملزمة بموجب الدستور، باستثناء كتلة الرئيس بري التي تميزت عن سائر كتل المعارضة و"اقترعت" للرئيس المكلف، وإن بشكل مشروط وملتبس في مكان ما. ومع استثناء آخر تمثل في ربط المشاركة بسياسة الحكومة، وهو موقف كتلة "حزب الله".
ولعل ما أدلى به الرئيس المكلف في القصر الجمهوري، من خلال بيان مركّز ومدروس، يختصر السياسة العامة لحكومته ويلخص بيانها الوزاري، فمن "تأكيد التزام حق لبنان في الدفاع عن شعبه وأرضه وسيادته في مواجهة تهديدات العدو الاسرائيلي"، الى "التزام حق العودة للشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة ورفض التوطين"، الى تأكيد "ثوابت الدستور والمؤسسات والسيادة والاستقلال وتعزيز السلم الاهلي والاهتمام بالاقتصاد والتنمية"، ثم تأكيده "العمل على تشكيل الحكومة بكل انفتاح ونية حسنة واحترام الدستور والنظام الديموقراطي"، كلها عناوين لا يختلف عليها اثنان في لبنان، وتتضمن إجابات عن السؤال حول سياسة الحكومة، وتنبئ بمرحلة جديدة يمكن ان تكرسها وتمارسها فعلاً لا قولا. فهل سيكمن الشيطان في التفاصيل؟ تلك هي مسؤولية الطبقة السياسية بمعارضتها وموالاتها، امام الناس، وبوصلة الرأي العام لا تخطىء. وثمة فارق شاسع بين خلاف حول موقف سياسي وافتعال ازمة حول حجم "الحصص" لا اكثر ولا اقل. ولا يكتشف جديداً من يقول ان ما يهم الناس على مر العهود والحكومات هو العمل والانتاج في اي وزارة لا "شكل" الوزير او انتماؤه السياسي او الحزبي او "القبلي" او الفئوي. واما "الحصرية" عند اي طرف، ففيها استخفاف بعقول الناس. وليس لأحد ادعاء امتلاك الحقيقة كاملة وحده. وعلى هذا الاساس يتصرف الكبار… ولم يخلُ منهم لبنان حتى في اسوأ الظروف.
ولأن الرئيس المكلف مقبل على تحمل المسؤولية الوطنية من موقع رئاسة الحكومة للمرة الاولى، فقد كان من الطبيعي ان يستذكر في يوم التكليف والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر الشهداء، وقد كان هذا اليوم سياسيا ومعنوياً وعاطفياً، وبكل المقاييس يوم "سعد" لرفيق الحريري.
واول ما ينتظره في السرايا هو تأكيد قدرته على جعل هذا اليوم، يوم سعد حقيقي للبنان وللبنانيين جميعاً من خلال حكومة منسجمة تشكل فريق عمل حكوميا منتجاً، فهل سيستطيع؟ ذاك هو التحدي الكبير امام سعد الحريري!
سمير منصور