سليمان يعود الى مجلس النواب كلما تعذر الحسم في مجلس الوزراء
تشكيل الحكومة يكشف حقيقة نيات الداخل والخارج
اذا كان الجهاد الأصغر انتهى بتكليف رئيس "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري تشكيل الحكومة الجديدة، فان الجهاد الأكبر يبدأ مع عملية التشكيل. فهل تتم بسهولة اذا كانت النيات صافية فتترجم صدق الايدي الممدودة، أم أنها ستواجه تعقيدات تكشف نيات مبيتة تثبت ان ما في النفوس هو غير ما تنطق به الألسن؟
لقد ظهر حتى الآن ان الاقلية المعارضة لم تغيّر عادتها في طرح شروطها ومطالبها، فتربط مشاركتها في الحكومة باستجابة هذه الشروط والمطالب التي تختصرها بعنوان واحد هو: تشكيل حكومة وحدة وطنية او وفاق وطني تكون المشاركة فيها حقيقية. وعند الدخول في التفاصيل يدخل الشيطان ليعرقل ويعقد. فهذه الاقلية سوف تعلن للرئيس المكلف خلال مشاوراته مع الكتل النيابية كيف تريد ان تكون صورة حكومة الوحدة الوطنية وما هي حصتها فيها، وما هي الحقائب التي تريدها، وهي مطالب قد تتعارض وبعض مطالب الاكثرية بحيث يتكرر ما حصل عند تشكيل حكومة الرئيس السنيورة الحالية من تجاذبات وصراعات سواء حول اختيار الاسماء او حول اختيار الحقائب. وهذا ما دفع بوزير سابق الى ابداء استغرابه لما يحصل في هذه الايام عند تشكيل الحكومات. ففي الماضي لم تكن المعارضة، المطلوب منها المشاركة في الحكومة، تصر على معرفة حصتها فيها والحقائب التي ستسند اليها بقدر ما كان يهمها مدى القبول ببرنامجها والتزام تنفيذ مضمونه، حتى اذا لم يلق قبولا سواء من الرئيس المكلف او من الاكثرية اعتذرت المعارضة عن عدم المشاركة واتخذت موقفا من الحكومة في ضوء ما يتضمنه بيانها الوزاري. واذا كان في المعارضة من يصر على إسناد حقيبة وزارية معينة اليه، فلأن عنده برنامجا اصلاحيا لهذه الوزارة، وليس ان يكون هدف الحصول عليها هو الوجاهة او تأدية الخدمات فيها لمحازبيه ومناصريه فقط…
ولا بد من التذكير بأن رئيس الحكومة المكلف هو الذي يتحمل بالاتفاق مع رئيس الجمهورية مسؤولية التأليف بعد ان يقبل بالتكليف وذلك في ضوء نتائج المشاورات التي يجريها مع الكتل النيابية، إذ ليس من المعقول مثلا ان يقبل الرئيس المكلف اشراك وزير في حكومته معروف بخصومته السياسية الشديدة له وبحملاته المستمرة عليه واطلاق الاتهامات الباطلة ضده، وليس في نيته التعاون داخل مجلس الوزراء والتزام ما تقرره الاكثرية، بل ان يكون مصمما على المشاكسة والمماحكة والتعطيل ليس داخل الحكومة فحسب بل خارجها ايضا.
ولا بد من التذكير ايضا ان رئيس الجمهورية كان يملك صلاحية تعيين الوزراء وتسمية رئيس من بينهم وصلاحية اقالة الحكومة والوزراء وحل مجلس النواب وحق التصويت في مجلس الوزراء بحيث يكون صوته وازناً عندما تتعادل الاصوات. وقد حرم دستور الطائف رئيس الجمهورية كل ذلك ولم يبق له سوى حق التوقيع او عدم التوقيع على مرسوم تشكيل الحكومة بحيث يربط ذلك باتفاقه او عدم اتفاقه مع رئيس الحكومة على التشكيلة. وهذا معناه، وإن ضمنا، ان يكون له فيها عدد من الوزراء الذين يرتاح اليهم ويتعاونون معه. لذا ليس على الذين يتباكون على صلاحيات الرئيس ويطالبون بتعزيزها خصوصا في قوى 8 آذار سوى الموافقة أقله على ذلك ولا سيما عندما يكون الرئيس على صورة العماد سليمان ومثاله، نظافة ونزاهة واستقامة واعتدالا. فهو الذي يحمل بيده ميزان العدل والعدالة والاعتدال ولا بد من اعطائه العيارات أو الوزنات كي يزن بها المواقف من المواضيع الاساسية المطروحة، فيضع الوزنة التي ترجح هذه الكفة او تلك. فهو، سواء كان حاكما كما في الماضي بحكم الصلاحيات الواسعة التي كان يتمتع بها او كان حكما كما أصبح اليوم بموجب دستور الطائف، فانه يحتاج كي يكون حكما إما الى استعادة حقه في التصويت في مجلس الوزراء، وإما ان يعطى الوزنة التي يرجح بها كفة على كفة، ذلك أن الحَكَم عليه ان يحكم باتخاذ موقف لا أن يبقى موقه معلقا الى ما لا نهاية.
والرئيس سليمان لا يحتاج الى ان من يعلمه كيف يكون حكما ويحسم الخلافات داخل مجلس الوزراء وقد مارس هذا الدور على أكمل وجه مع الحكومة الحالية في موضوع التعيينات ولا سيما ما يتعلق منها بالمجلس الدستوري، وأنه في الحكومة الجديدة، وفي أي حكومة، لن يطرح أيا من المواضيع الاساسية التي تنص عليها المادة 65 من الدستور وعددها 14 على مجلس الوزراء على التصويت قبل ان يحقق التوافق حولها ويبذل كل الجهود للتوصل الى ذلك. وقد يصير تفاهم على عقد جلستين أو اكثر كي يتحقق التوافق على المشاريع الحساسة واذا تعذر ذلك طرحت على التصويت في الجلسة التالية. ولا يسقط الرئيس سليمان من حسابه في حال تعذر التصويت حقه في توجيه رسالة الى مجلس النواب عملا بالدستور يطلب منه فيها حسم ما لم يستطع حسمه في مجلس الوزراء، وهو ما كان في نيته ان يفعله لو لم يتوصل مجلس الوزراء الى حسم الخلاف حول تعيينات المجلس الدستوري.
ويرفض الرئيس سليمان كما يرفض الرئيس بري وغالبية النواب الكلام على الثلث زائدا واحدا في الحكومة العتيدة ويدعو الى التخلص من هذه التسمية والتوقف عن السجال حول اعطاء هذا الثلث له او للمعارضة. إذ لا حاجة الى ذلك بوجود رئيس توافقي هو الضامن للموالاة والمعارضة على السواء داخل الحكومة وخارجها، من خلال دوره المتوازن بحيث يؤمن الثلثين عندما تقتضي مصلحة البلاد ويؤمن الثلث الزائد واحدا عندما تقتضي المصلحة ذلك ايضا.
ولا يرى الرئيس سليمان، من جهة أخرى، تناقضا بين العمل بروح الدوحة أي الوفاق، وعدم الاحتكام الى السلاح في الداخل، وأحكام دستور الطائف، وترك مصير سلاح المقاومة تقرره طاولة الحوار الوطني.
أما توزيع الوزراء والحصص والحقائب، فلا يرى الرئيس سليمان انها مشكلة يصعب حلها عندما يتفق الجميع، وهم متفقون على القول ان رئيس الجمهورية ينبغي أن يكون حاكما وحكما، لذا فلا داعي لاعطاء الثلث الزائد واحدا الى أي فريق ما دام رئيس البلاد هو الضامن وهو الذي يطمئن اليه الجميع، وأن الضمان لا يكون في يد فريق أو طرف بل يكون في يد الرئيس كونه ليس طرفا سوى مع مصلحة الوطن، ويمارس دوره تحت سقف اتفاق الطائف وسيعمل على تطبيقه كاملا.