سليمان ــ الحريري ثنائي سيادي يقوّي لبنان ويخرجه من المحاور
الرئيس المكلف «غير مديون» لقوى 8 آذار التي سلّفها انتخاب بري
تعاون «حزب الله» معه يمكنه من تأمين غطاء يسقط عنه الاتهامات الدولية
في الواقع السياسي القائم حالياً يتولى رئاسة البلاد العماد ميشال سليمان، اي رئيس الجمهورية اللبناني الذي رشحته القوى السيادية اي 14 آذار وحلفاؤها لهذا المنصب، اذ هو رغم صداقته للقيادة السورية، يتمتع بمسؤولية وبوطنية لم يشهدها قصر بعبدا منذ العام 1988 حتى تاريخ انتخابه وهو في الوقت ذاته رئيس للجمهورية وحريص على مصلحة لبنان ولا مكان في شخصه للمصلحة الخارجية على حساب الوطن ولا مكامن للحقد في ذهنه وفي الوقائع أيضاً، بأن القوى السيادية التي حازت على واحد وسبعين نائباً، انتخبوا رئيس مجلس النواب نبيه بري لولاية خامسة، وهي القادرة حسابياً على اختيار رئيس من صفوفها لحيازتها على العدد المطلوب لذلك، لكنها صوّتت لإعادة انتخاب احد القطبين الاساسيين في قوى 8 آذار، بعد موقع أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله.
وبذلك فان قوى الغالبية، اظهرت قدرتها على التفاعل السياسي وطمأنة الشركاء الذين لم يبادلوها الخطوة في الجلسة الانتخابية ذاتها، على خلفية الاصوات التي نالها نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري.
وفي الوقائع ايضاً.
ان رئيس الحكومة المكلف النائب سعد الحريري، يستطيع ان يكون رئيساً للحكومة بأصوات الغالبية التي تدعمه، ولا حاجة له لأصوات داعمة الا لاعتبارات معنوية وسياسية وميثاقية يحرص عليها، لكنه على خلاف واقع رئيس مجلس النواب لا يدين بوصوله الا لأصوات الغالبية النيابية الصافية او النقية والتي تمكنت من العودة بقوة شعبية واسعة الى تولي مسؤوليتها في معظم مؤسسات الدولة وفي مقدمها رئاسة الجمهورية التي تعزز دورها اثر فوز هذا الفريق الداعم لبناء الدولة والحفاظ على المكتسبات السيادية التي فشلت قوى 8 آذار في اسقاطها.
وفي الوقائع ايضا وايضاً، بأن الرئيس المكلف لتشكيل الحكومة هو نجل الرئيس الشهيد رفيق الحريري وهو يحظى برصيد محلي ودولي يمكنه من التحرك في أروقة المجتمع الدولي وكأنه في دارته، نظراً للعلاقات التي يمتلكها ويضعها لخدمة لبنان، أسوة بما فعل والده الشهيد، وبذلك فان آمالاً كبيرة تعلّق على دوره في هذا المنصب، خصوصاً ان الوقائع الحالية تظهر بوضوح وجود رئيس الجمهورية السيادي العماد ميشال سليمان في قصر بعبدا وتكليف رئيس للحكومة سيادي يستند الى قوة نيابية مؤلفة من واحد وسبعين صوتا، قادرين معاً ان يشكلا ثنائياً فاعلاً لخدمة الوطن وإخراجه من التجاذبات وتقوية دور المؤسسات.
اما المفارقة التي يجب التوقف امامها فهي في الواقع مجموعة مفارقات، وفق التالي: فالمفارقة هي ان رئيس الجمهورية العماد سليمان ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، هما في زمن مختلف عن حقبة 14 شباط 2005 وما قبلها وما بعدها، اذ هما ليسا من اتباع سوريا كما كان حال كل من الرئيس السابق اميل لحود ورئيس الحكومة الأسبق عمر كرامي، فالمفارقة انهما رجلان حران في مواقفهما، بما من شأنه ان يعزز الواقع السيادي في البلاد.
والمفارقة هي ان النائب سعد الحريري تمكن من خلال تحالفاته السيادية ان يخوض انتخابات في معظم المناطق اللبنانية ويحصد لكتلته النيابية «لبنان أولاً» واحد واربعين نائباً ولقوى الغالبية ككل واحد وسبعين مقعداً محققاً بذلك ما كان يسعى اليه الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي لمس العراقيل لقراره هذا وكان ختام كلامه في بيانه الشهير.
«استودع بلدي الحبيب.
» وراح ينتظر قدره.
والمفارقة بأن الرئيس المكلف لرئاسة الحكومة سعد الحريري، قادر على غرار ما أقدم عليه والده في العام 1996 وبعد استجلابه لحزب الله يومها تفاهم نيسان، قادر الرئيس المكلف من خلال تعاون «حزب الله» معه كرئيس للحكومة، وعدم وضع العراقيل امامه او توزيع الأدوار كأن يتم استعمال النائب ميشال عون للتعطيل، ان يشكل حكومة من شأنها ان تؤمن غطاء سياسياً محلياً بأبعاد دولية حامية للمقاومة، التي خرجت عن اطارها اللبناني وتمدّدت نحو فلسطين، مصر وغير دول في عدة قارات اقدمت على تحركات امنية على اراضيها.
المفارقة في ان الرئيس المكلف سعد الحريري على عاتقه تجاوز تسوية الدوحة والعمل على ترسيخ اتفاق الطائف، اذ هو يتولى هذه المسؤولية بعد خروج سوريا من لبنان وتلاعبها في التوازنات الطائفية والسياسية، وبذلك فان الرئيس المكلف يحظى بدعم شعبي عام، لكن ايضاً بترحيب قوي من رئيس الجمهورية وكذلك رئيس مجلس النواب نبيه بري، لكنه يلقى دعماً خاصاً من البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، وكذلك الحلفاء الأقوياء في مناطقهم وطوائفهم اسوة برئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، رئيس حزب الكتائب الرئيس أمين الجميل، ومستقلين كالنواب ميشال المر، بطرس حرب، ميشال فرعون، نائلة تويني.
وبذلك فان المفارقة هي في ان الرئيس الشهيد رفيق الحريري لم يتمكن من تطبيق اتفاق الطائف، نظراً للوصاية السورية في حين ان هذه الخطوة حالياً هي من مسؤولية الرئيس المكلف بعد خروجها من لبنان عسكرياً.
اما في النتائج المرتقبة، فان الاحتمالات حتى حينه، ورغم الربط بين الواقع اللبناني والتفاعلات الايجابية الدولية، لا يمكن الركون اليها في حال بقيت الاعتبارات هي ذاتها لدى محور الممانعة وفروعه وفصائله في الداخل اللبناني، اذ عندها سيجد الرئيس المكلف تمسكاً بالثلث المعطل وتشكيكاً في التأييد الشعبي لقوى الغالبية بعد ربط النتائج بالعددية، لا بل قد تتقاطع الحسابات الاقليمية المعطلة مع الحسابات الشخصية ذاتها لهذا المحور، من زاوية احراق الرئيس المكلف سياسياً، بهدف تقويض رصيده وانطلاقته بزخم لمواجهة الملفات الاقليمية والامنية والاقتصادية.
ومن غير المستبعد ان تكون هذه الدول كايران التي تتخبّط في ازمة الحفاظ على النظام، وسوريا التي تتحضر لمفاوضات عبر أساليب ووسائل متعددة مشروطة بطلبها لرعاية الولايات المتحدة اية حركة في هذا الاطار مع اسرائيل، ومن ثم فروع هذه القوى في الداخل اللبناني، اذ من غير المستبعد ان يعملوا على اشغال الرئيس المكلف في ملفات خلافية داخلية لإبعاده اذا تمكنوا من مواكبة التحركات الدولية التي باشرها رئيس الولايات المتحدة الاميركية باراك أوباما من خلال اظهار اهتمامه بملف الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية في خطوة مغايرة لاسلافه الذين كانوا يلجأون في الأشهر الأخيرة من ولايتهم للتحرك في هذا الاتجاه.
وبذلك فان الرئيس المكلف لتشكيل الحكومة اللبنانية، اظهر في عدة محطات قدرته على المواجهة والاستيعاب وهو في الوقت ذاته يمتلك رصيداً وشبكة علاقات دولية وحلفاء اقوياء في الداخل، هي في الوقت ذاته عوامل قوة، الا ان العامل الأقوى هو القدرة على تشكيل حكومة غير مفخخة وهو الواعي لذلك، لكن الرغبة او القرار في افشال الحريري يبقى اضعف من القدرة التي استعملت مع والده الشهيد، الا ان بعض الادوات قد تعدّلت، وهو في الوقت ذاته يستدرك المطبّات، ولأن الانزلاق في البداية لو حصل يصعب معالجة نتائجه، لان مصداقيته ورصيده وقوته السياسية والشعبية ما زالت هدفا تصوّب نحوه السهام.