#adsense

الميثاق: بين مفهوم المعارضة والمشاركة الحكومية

حجم الخط

الميثاق: بين مفهوم المعارضة والمشاركة الحكومية
المحامي جورج ابو صعب

غداة انتهاء الاستشارات النيابية الملزمة التي يجريها فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان – سوف ينتقل لبنان الى مرحلة جديدة متمثلة بالاستشارات التي سيجريها رئيس الورزاء المكلف النائب سعد الحريري لتأليف الحكومة الجديدة – حكومة الوحدة الوطنية.

وفي ضوء التجارب الحكومية السابقة وواقع الحال الدستوري المنبثق من اتفاق الطائف نرى ان نلقي بعض الضوء على ما ينادي به الجميع من مشاركة في الحكم والحكومة وما نصت عليه مقدمة الدستور من ان لا شرعية لاية سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك.

وبالتحديد نود محاولة الاجابة على السؤال الكبير: هل الميثاقية في تشكيل الحكومة العتيدة تفرض القبول بالقوى المعارضة او الاكتفاء بالتمثيل الطائفي ؟

اولا : مفهوم الميثاق الوطني اللبناني:
======================
في خطاب شهير للمغفور له سماحة الشيخ حسن خالد – مفتي الجمهورية السابق – بتاريخ 10/12/1969 – بمناسبة عيد الفطر السعيد – قال سماحته : "يجب ان يشعر كل واحد منا انه للبنان وان لبنان له – وان من واجبه ان يحفظ لبنان من كل أذى يتعرض له – وذلك بان يقدم له كل ما يملك من نشاط ووعي وتفكير وايمان وثقافة ليحفظه قويا عزيزا وليحفظه رداء لابناء أمتنا العربية قويا حصينا …

فهذا الكلام الوطني الاصيل يشكل حجر الزاوية في تناولنا للسؤال اعلاه موضوع هذه المقالة – ونبدأه بالاشارة الى ان الميثاق الوطني غير المكتوب سنة 1943 تضمن مبدأ توزيع جميع المناصب في الدولة على جميع الطوائف بالانصاف واذا كانت الوظيفة تكنيكية رعيت فيها الكفاية .( راجع العرض التاريخي للمؤرخ يوسف ابراهيم يزبك – مجلة الاسبوع العربي – العدد 66 – تاريخ 12 /9/1960 ).

وبالتالي وفي استنتاج اولي نقول : ان الاصل في الميثاق الوطني هو في تمثيل الطوائف والمذاهب في الحكم والادارة مع مراعاة الكفاءة حيث يتطلب المنصب علما وخبرة وتخصصات – ما يعني ان الطوائف والمذاهب هي المقصودة في الميثاق وليس القوى السياسية الطائفية او ذات الصفة الطائفية التي تتغير مع كل زمن وحقبة.

كما ان الميثاق كرس قاعدة المناصفة بين المجموعتين المسيحية والاسلامية في لبنان بغض النظر عن الافكار السياسية والانتماءات الفكرية والعقائدية لتلك المجموعة او للاخرى.

ثانيا : انسحاب المفهوم على التطبيق الدستوري والسياسي:
==================================
اذا عدنا الى الدستور اللبناني ونصوصه لوجدنا ما يتكلم فيها عن المناصفة بين المسلمين والمسيحيين : ونذكر على سبيل المثال لا الحصر : المادة (95) بموضوع تحقيق الغاء الطائفية السياسية حيث يذكر النص مجلس نواب منتخب على اساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين وحيث في الفقرة (أ) اشارة الى تمثيل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة فيما تنص الفقرة (ب) من نفس المادة على بقاء وظائف الفئة الاولى وفي ما يعادل الفئة الاولى مناصفة بين المسيحيين والمسلمين…

وبالتالي واستطرادا نقول بان الدستور تكلم عن المناصفة بين المسيحين والمسلمين في تشكيل الحكومة دون تخصيص احزاب او قوى معينة او دون وضع قاعدة التمثيل من خلال القوى كشرط لوجود ميثاقية وطنية محددة – وبالتالي فان الحكومات يمكن ان تتألف من مسلمين ومسيحيين مناصفة دون ان يكون بالضرورة اي تمثيل محتكر طائفيا من حزب او تكتل سياسي – فيكفي لميثاقية الحكومة ان يتمثل فيها مسلمون ومسيحيون من كافة الطوائف والمذاهب حتى تصبح الحكومة شرعية بمنظور الدستور واتفاق الطائف ولتراعي متطلبات العيش المشترك.

ثالثا : مخالفة المشاركة المطروحة من المعارضة لمبادئ النظام
======================================
ان قوى المعارضة تطرح اليوم مبدأ المشاركة مع الاكثرية في الحكومة العتيدة: فالدستور اذا يكرس المناصفة بين المسلمين والمسيحين في الوزارة ولكنه لا يعتمد ايضا كما سبق ورأينا في دراستنا السابقة حول التضامن الحكومي – مبدأ الجمع بين المعارضة والاكثرية في حكومة واحدة : فحكومة الوحدة الوطنية هي حكومة القواسم المشتركة – فاذا كان ثمة قواسم مشتركة بين اللبنانيين اليوم ولا سيما بين المعارضة والموالاة – فان هذه القواسم غير موجودة بالتأكيد بالنسبة للسلاح غير الشرعي ولا سيما سلاح المقاومة – كما بالنسبة للنظرة الى ادارة البلاد – خاصة اذا ما ترأس الحريري الحكومة المقبلة – بحيث يجمع جميع المراقبون والمحللون السياسيون على ان طريقه لن تكون سهلة بوجود معارضة تتربص به من داخل الحكومة لعرقلة برامجه الاقتصادية والانمائية وهي لطالما اتهمت والده بانه حمل لبنان الاعباء والديون من جراء سياساته الانمائية والاقتصادية والتنموية.

من هنا نرى ان الميثاقية الوطنية يجب ان تعود الى الطوائف لا الى القوى السياسية الطائفية المرحلية والظرفية في تشكيل الحكومة العتيدة – اي ان تتمثل الطوائف لا القوى الطائفية في الحكومة على قاعدة رجال الخبرة والاختصاص والعلم والكفاءة للمرحلة المقبلة التي سوف تكون تنموية واقتصادية بامتياز. اما الاستمرار في اختزال التمثيل الطائفي في الحكومة بقوى سياسية خاصة لجهة المعارضة التي تريد الاستمرار في المعارضة وفي الوقت عينه في صلب الحكومة – بحجة المشاركة – انما تطلب الشيء ونقيضه دستوريا وسياسيا وواقعيا ومنطقيا – ما قد يهدد الحكومة العتيدة بالشلل والارتباك او في احسن الاحوال يخضعها مجددا للعبة التجاذبات والمساومات والتسويات اي الى العودة الى المراوحة والازمات – وبالتالي تسقط الاكثرية في فخ اعطاء الاقلية ما لم تحصل عليه انتخابيا.

ونعود ونؤكد ان الدستور كفل المشاركة الطائفية في الحكومة على اساس الطائفية لا على اساس قوى موالية واخرى معارضة – فالقوى المعارضة (كونها الاقلية اليوم ) والتي قد تتغير تبعا للتواريخ والظروف والحقبات – ليست هي التي تؤسس مشاركتها في الحكومة ميثاقية هذه الحكومة بل فقط التمثيل الطائفي المتساوي – وبالتالي ان عدم مشاركة قوة او حزب او تكتل سياسي معين في الحكومة العتيدة لن يؤثر دستوريا وميثاقيا على شرعية الحكومة ان تمثلت الطوائف والمذاهب مناصفة كما يجب من خلال رجال اختصاص ومستقلين وسواهم.

فبناء على ما تقدم اعلاه

1- ان مطالبة المعارضة بالمشاركة في الحكومة العتيدة مخالفة للدستور ومبادئ النظام البرلماني – التي تؤسس لحكومة اكثرية تحت رقابة الاقلية ومحاسبتها.

2- ان عدم اشتراك القوى السياسية الحالية في المعارضة لن يصيب شرعية الحكومة باي أذى من الناحيتين الدستورية والميثاقية طالما ان التمثيل الطائفي الجامع مأمن – من خارجها .

3- ان مشاركة المعارضة في الحكومة يسقط عنها الصفة المعارضة قانونيا ودستوريا عملا بمبدأ التضامن والتجانس الحكومي – وبالتالي ان الابقاء على معادلة ربط الميثاقية بتمثيل قوى المعارضة داخل الحكومة هو أخطر من المطالبة بالثلث الضامن او المعطل ان رفضت المعارضة الاقرار بزوال صفتها هذه بمجرد دخولها حكومة وحدة وطنية – لان الاحتجاج بهذا الربط هو الذي سوف يبقي سيف التعطيل والعرقلة مسلطا فوق رأس الحكومة والشيخ سعد الحريري طوال الفترة المقبلة ان قرر وزراء المعارضة يوما الاستقالة او الامتناع عن حضور جلسات مجلس الوزراء او المقاطعة او الاحتجاج تحت اي شكل من الاشكال – فحسبي اننا نبني اليوم كأكثرية لسنوات اربع وليس لاشهر معدودة كي نتحمل هذه المخاطرة مع تقلبات السياسات المحلية والاقليمية والدولية الممكنة مستقبلا .

4- وهكذا فان الميثاقية في تأليف الحكومة لا تتوقف على مشاركة قوى المعارضة ان هي ابدت عدم تجانس مع توجهات وسياسات الاكثرية الجديدة ورئيسها العتيد او لم تشارك في الحكومة العتيدة ما لم يصار الى اطلاق اوسع استشارات وطنية لاعداد البيان الوزاري قبل تأليف الحكومة بحيث تأتي الموافقة على برنامج الحكومة المستقبلية شرطا للقبول بالانضمام الى التشكيلة الحكومية العتيدة ام لا فتكون الوحدة الوطنية موضوعية وليس هيكلية ( اي ان الوحدة الوطنية يجب تصويبها بان تكون في البرنامج اولا وليس في عدد او اعضاء الوزراء المعارضين).

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل