#adsense

هل يسير لبنان تدريجاً نحو “فيديرالية الطوائف”؟

حجم الخط

النظام الديموقراطي طبق عندما كانت التحالفات وطنية لا مذهبية
هل يسير لبنان تدريجاً نحو "فيديرالية الطوائف"؟

لماذا كان في استطاعة لبنان تطبيق النظام الديموقراطي بوجهه الصحيح بحيث تحكم الاكثرية والاقلية تعارض، ومنذ متى لم يعد في استطاعته ذلك مع بدء الخلاف بين اللبنانيين حول ايهما افضل: تطبيق "الديموقراطية العددية" ام تطبيق ما يسمى بـ"الديموقراطية التوافقية"؟
يقول وزير سابق مخضرم ان لبنان ظل يطبق النظام الديموقراطي على اكمل وجه منذ الاربعينات حتى السبعينات، فكانت الاكثرية هي التي تحكم وتأتي برئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة والوزراء، والاقلية تعارض ويكون لها مرشحون ينافسون مرشحي الاكثرية على الرئاسات الثلاث حتى وان كانت حظوظهم بالفوز ضئيلة او شبه معدومة، وذلك حرصا على ممارسة النظام الديموقراطي واحترام قواعده لان من حسناته ان الاكثرية بموجب هذا النظام لا تبقى اكثرية والاقلية لا تبقى اقلية عند تداول السلطة. وكانت الاكثرية من جهة اخرى اكثرية وطنية تتمثل فيها كل المذاهب والطوائف والمناطق وكذلك الاقلية ولم يستطع اي تكتل مذهبي او طائفي عند قيامه تعطيل تطبيق قواعد هذا النظام فلا "الجبهة اللبنانية" التي كانت تضم غالبية الزعماء والشخصيات المسيحية استطاعت احتكار القرار المسيحي او اختزاله، حتى في وجه قلة من الزعماء والشخصيات المسيحية التي ظلت خارج تلك الجبهة، ولا "الحلف الثلاثي" الذي كان يتألف من زعماء موارنة بارزين هم: كميل شمعون، بيار الجميل، ريمون اده استطاع حصر انتخاب رئيس الجمهورية بواحد منهم، بل كانت الرئاسة لسليمان فرنجيه المنتمي الى ما كان يسمى "تكتل الوسط" ولا "اللقاء الاسلامي" استطاع ان يفرض رئيسا للحكومة من بين اعضائه على رئيس الجمهورية سوى القمة الاسلامية التي انعقدت في عرمون فاستطاعت لاول مرة ان تفرض رئيسا عليه لان من اختاره اعتبر لا يمثل المسلمين…

وعندما اصبح لبنان خاضعا للوصاية السورية، فان هذه الوصاية كانت تأتي بالرؤساء والوزراء والنواب وفق مشيئتها، شاء من شاء وابى من ابى من اللبنانيين… وبعد انتهاء هذه الوصاية، دخل على النظام الديموقراطي الجمهوري البرلماني تحالف مذهبي من نوع جديد هو "التحالف الشيعي" الذي يتألف من حزبين بارزين هما: "حزب الله" و"حركة امل" استطاع ان يحتكر القرار الشيعي في كل شيء، ففرض نبيه بري رئيسا لمجلس النواب بعد انتخابات 2005 ولا مرشح سواه، ثم عاد وفرضه من دون سواه بعد انتخابات 2009 ففاز بالتزكية ولم يجرؤ اي شيعي آخر على ترشيح نفسه منافسا له، فاضطر من لا يؤيد الرئيس بري الى وضع اوراق بيضاء في صندوق الاقتراع.

واستطاع هذا "التحالف" ان يفرض اسماء وزرائه في الحكومة وكذلك الحقائب وان يختار المديريات التي يريد في الدولة تحت طائلة التهديد برفض المشاركة في اي حكومة هو وحلفاؤه في المعارضة فيحول هذا الموقف دون تشكيل حكومة "وحدة وطنية" ولو بالاسم. ونجح "التحالف الشيعي" في الحصول على ما يريد لقاء قبوله المشاركة في الحكومة. وعندما استقال وزراء الشيعة من الحكومة احتجاجا على المشروع الاساس لنظام المحكمة ذات الطابع الدولي، تعذر تعيين بدائل عنهم، فظل هؤلاء الوزراء مستقيلين واستقالتهم غير مقبولة، بعضهم يصرف الاعمال، وبعضهم الآخر انقطع حتى عن ذلك، فاعتبرت الحكومة عرجاء غير ميثاقية، وغير شرعية واقفلت ابواب المجلس النيابي في وجهها وفي وجه النواب…

وفرض التحالف الشيعي، مرة اخرى تشكيل حكومة وحدة وطنية بتدخل خارجي ترجم في مؤتمر الدوحة، ولو على نحو مخالف للدستور وكتسوية موقتة كان لا بد منها لاخراج لبنان من ازمته، وتشكلت تلك الحكومة على اساس ان تتمثل الاكثرية فيها بعدد من الوزراء لا يستطيع الاستئثار بالقرارات وبوزراء يمثلون الاقلية لكنهم لا يستطيعون تعطيل القرارات، فكانت حكومة التجربة الحالية الفاشلة وسميت حكومة وحدة وطنية تجمع الاضداد، اي الاكثرية والاقلية ولا يجمعها برنامج واحد وممنوع عليها الاستقالة فكانت النتيجة انه تعذر عليها اقرار مشروع الموازنة لعام 2009 الا بعد اشهر من العراك والتناحر، كما تعذر عليها ملء المراكز المهمة الشاغرة في وظائف الفئة الاولى، وكاد يتعذر عليها حتى تعيين الاعضاء الخمسة في المجلس الدستوري، وهو تعيين تفرضه بالحاح الانتخابات النيابية وكانت قد اصبحت على الابواب، لو لم يهدد الرئيس سليمان بطرح مشكلة التعيين على مجلس النواب بموجب رسالة يوجهها اليه عله يحسم الخلاف في شأنه.

والسؤال المطروح الآن هو: هل يحاول "التحالف الشيعي" مع حلفائه في المعارضة فرض تشكيل حكومة وحدة وطنية تتمثل فيها الاكثرية والاقلية ولو مع بقاء خلاف على برنامج عملها ومع اشتراط ان يكون لهذا التحالف مع الاقلية المعارضة "الثلث المعطل" يتحكم بالقرارات في مجلس الوزراء وبالاكثرية، كما حصل في حكومة السنيورة الحالية التي كانت اشبه بحكومة تصريف اعمال قبل ان تصبح كذلك بعد ان اصبحت مستقيلة حكما مع قيام مجلس نيابي جديد.

واذا كان ثمة من يريد ارباك الرئيس المكلف سعد الحريري بوضع الشروط التعجيزية في طريق التأليف لحمله على الاعتذار اذا لم يأخذ بهذه الشروط، او تعريض البلاد لازمة وزارية مستعصية قد تتحول ازمة حكم اذا ظلت الاقلية تفرض شروطها على الاكثرية وتصر على ان يكون لها "الثلث المعطل" وترفض ان تتنازل عنه لاحد، فانها تضع بذلك الحكم بين خيارين: اما القبول بتشكيل حكومة يكون للاقلية فيها "الثلث المعطل" وهذا قد يؤدي الى شل عمل الدولة واما رفض المشاركة فيها، وهذا يعني بقاء الطائفة الشيعية خارج الحكومة، مما يشكل مخالفة للدستور وللميثاق الوطني والعيش المشترك، فتعتبر عندئذ بانها حكومة غير شرعية وغير ميثاقية كما اعتبرت حكومة الرئيس السنيورة عندما استقال منها الوزراء الشيعة وتعذر تعيين بدائل عنهم…

الى ذلك، يرى الوزير السابق المخضرم ان لا سبيل للعودة الى النظام الديموقراطي الذي تحكم بموجبه الاكثرية والاقلية تعارض، مع وجود تكتل او تكتلات مذهبية تفرض شروطها على التكتلات الاخرى. فالاكثرية عندما كانت اكثرية وطنية تتمثل فيها كل المذاهب والمناطق وكذلك الاقلية، كان في الامكان تطبيق النظام الديموقراطي على اكمل وجه، اما عندما تصبح التحالفات طائفية سواء كانت مسيحية او اسلامية او مذهبية شيعية او سنية او مارونية او ارثوذكسية او كاثوليكية او درزية فان تطبيق النظام الديموقراطي يصبح صعبا ان لم يكن مستحيلا ويحل محله ما تسمى "الديموقراطية التوافقية" التي قد ينبثق منها مع الوقت نظام آخر هو "فيديرالية الطوائف" و"الكانتونات" التي يشكل اعتمادها اكبر خدمة لاسرائيل التي تسعى لان تكون دولة عنصرية، فالاكثرية الوطنية هي التي تستطيع ان تحكم بموجب النظام الديموقراطي، وهي اكثرية قد تصبح اقلية، اما الاكثرية الدينية او المذهبية فانها تبقى اكثرية ولا تتحول اقلية الا اذا غير بعض من فيها دينه، وهذا مستحيل، ولا حكم مع هكذا اكثرية الا بالتوافق او بنظام "فيديرالية الطوائف"…

المصدر:
النهار

خبر عاجل