ويحدّثونك عن المشاركة
عبدو شامي
"إن لبنان لا يقوم إلا على المشاركة بين جميع طوائفه ومكوناته"، كلام صحيح وموزون، لكن إذا أُتبِع بعبارة: "والشراكة الحقيقية لا تكون إلا بالصيغة التي تمتلك فيها مكوّنات مجلس الوزراء حق النقض"، صرنا بذلك أمام هرطقة دستورية وسفسطة، وقلْب للمفاهيم الصحيحة.
إن ما يطالب به هؤلاء الإنقلابيون من بدعة الثلث المعطل، التي تعني بعبارة أخرى: حق تعطيل قرارات الحكومة، أو عدم صدور قراراتها إلا إذا حظيت بالإجماع الذي بدوره لا يتحقق إلا إذا نال رضى الأقلية، هو بحد ذاته انقلاب على دستور الطائف، لأن من شأن ذلك تحويل الديمقراطية البرلمانية التي يُفترض أن تُحكم على أساسها البلاد، حيث الأكثرية تحكم والأقلية تعارض وتحاسِب، إلى "ديمقراطية توافقية"، لا تحظى بموجبها الأكثرية والأقلية البرلمانيتان بحقوق متساوية فحسب، بل يصبح للأقلية امتياز "الفيتو"! وحينئذ، يجدر بالقوى السياسية أن تتنافس على الفوز بأقلية مقاعد البرلمان في الإنتخابات النيابية، لا على حصد أكثرية مقاعده.
أما تسميتهم هذه الآلية الإنقلابية "مشارَكة"، فهو ضرب من الإحتيال على معاني اللغة، وتفريغ للمفاهيم من مضمونها، تماماً مثل جمعهم بين النقيضين في عبارة "الديمقراطية التوافقية"؛ ذلك أنّ "المشاركة" في القاموس لها معنى إيجابي، يدور حول التعاون والتضامن في سبيل تحقيق هدف مشترك. ومن هنا سمّي العقد الذي يلتزم بموجبه شخصان أو أكثر بأن يساهم كل منهم في مشروع مالي بقصد أن يقتسموا ما ينتج عنه من ربح أو خسارة، بعقد الشركة. وبالتالي لا يمكن أن تطلق "المشاركة" على معانٍ سلبية مثل التعطيل والعرقلة أو تحكّم الأقلية، وإلا أصيب البلد بالجمود والشلل، وأصبحت الحكومة أشبه بعربة تدفعها الأكثرية إلى الأمام فيما تجرّها الأقلية إلى الخلف، بغرض إخضاعها لمبدأ: ما لنا لنا وحدنا، وما لكم لنا ولكم، حتى ولو اضطررنا لاستعمال القوة في انتزاعه.
واليوم خرج علينا الجنرال البرتقالي ببدعة "الحكومة النسبية" التي يريد من خلالها إظهار تمايز بينه وبين حلفائه المطالبين بالثلث المدمِّر لكي يُبعد عن نفسه تهمة التبعية والإرتهان للمشروع الفارسي، إلا أنه تمايز في اللفظ من دون المعنى إذ إن اعتماد النسبية يعطي المعارضة نسبة الثلث المعطل، ومن شأن هذا الطرح الملغوم أن يحوّل الحكومة الى مجلس نيابي مصغّر وهذا ضرب للدستور اللبناني.
وإذا أردنا وضع الكلام السياسي التجميلي والترقيعي جانباً، واخترنا مقاربة الواقع اللبناني بصراحة، فسيتّضح لنا أن حقيقة النزاع القائم إنما تتعلق بتقسيم السلطة بين الطوائف المختلفة في لبنان من جهة، وبهويّة لبنان الإجتماعية والثقافية من جهة ثانية، وأي كلام غير ذلك يتنافى مع الصواب.
فاتفاق الطائف وضع حداً للتنازع بين الطوائف على مقاليد الحكم، وأنهى الحرب الأهلية بإقراره صيغة المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في كافة المناصب الأساسية في البلاد، بصرف النظر عن الأعداد. وظلّت هذه الصيغة قائمة ومطبّقة، وإن تخللتها خروق قليلة زمن الوصاية وبعدها.
غير أنه مع بروز الزيادة الديموغرافية السريعة في الطائفة الشيعية، التي من شأنها حال استمرارها على وتيرتها التصاعدية، أن تجعل من الشيعة الطائفة الأكبر في لبنان، ونظراً لما رافق هذا العامل الديموغرافي من تعاظم الحجم السياسي والتنظيمي والعسكري لهذه الطائفة، بسبب احتكار تمثيلها ومصادرة قرارها من حزب مسلح له مشروعه وامتداده الإقليمي، كما له ثقافته الخاصة، التي ترفض التعددّية و التنوّع وتجنح نحو الشمولية والإستبداد، وتسيطر على مجتمعها بالتكاليف الشرعية والصبغة الإلهية… بدأ هذا الحزب المحتكِر يشعر بأن صيغة المناصفة في توزيع الحصص الطائفية على مراكز الدولة لم تعد تلائمه، لأنه بات يرى أن حجمه يستحق أكثر من ذلك، ومن هنا أصبح يسعى للإطاحة بالطائف، من خلال تحويل المناصفة إلى مثالثة كمرحلة أوليّة يريد تكريسها من خلال ديمومة تسوية الدوحة(الثلث القاتل)، تمهيداً لمطالبته لاحقاً بالمزيد مع مرور الزمن، خصوصاً وأن العامل الديموغرافي يلعب لصالحه، وسلاحه في ازدياد وتطوّر وأمان؛ وعندها سوف يصبح من أشد المطالبين بإلغاء الطائفية السياسية، لأنها ستسمح له بالإسحواذ الكامل على الدولة.
باختصار: إن السياسة التي يعتمدها هذا الحزب منذ فترة، ترتكز على أسلوب "الإستدراج البطيء" في انتزاع مطالبه، الذي يعلن معه غالباً عكس ما يبطن في ما يعرف بـ"التقيّة"؛ ومن شأن هذا التكتيك الخبيث أن يدفع البلاد باتجاه خيارين:
1-إما التقسيم، الذي يريد الحزب أن تصدر المطالبة به من بقية الطوائف، ليظهر بصورة المضحّي في التجاوب مع مطلبهم، الذي هو في الحقيقة مطلبه ومبتغاه حال بقائه عاجزاً عن تحقيق أكثرية نيابية. وهذا يعني أن يعدّل الدستور جذرياً، وهو لا يحصل في بلادنا إلا بعد حرب، فالطائف جاء بعد حرب أهلية، واتفاق الدوحة الذي يعملون اليوم على إلحاقه بالطائف تمّ بعد شبه حرب أهلية. وقد قطع الحزب شوطاً لا بأس به في طريق التقسيم، مع الشحن المذهبي والطائفي الذي سبّبته حملات التخوين ومحاولات إسقاط حكومة الإستقلال الثاني وتعطيل انتخاب رئيس للجمهورية من جهة، والفرز السكاني الذي نتج عن غزوة أيار الإرهابية عام 2008، من جهة ثانية.
2- وإما ولاية فقيه ثانية، تشوّه وجه لبنان، وتنسف أبرز مقوّماته، وعلى رأسها حرية الرأي والفكر والمعتقد، وتُجهِز على نموذجه الفريد في العيش المشترك. وبإمكان الحزب أن يضع لبنتها الأولى رسمياً، حال فوزه في الإنتخابات النيابية وبقائه متمتعاً بالغطاء المسيحي؛ وهذا ما استطاع جمهور ثورة الأرز إحباطه مؤقتاً في 7حزيران ولله الحمد.
وفي كلا الإحتمالين، لن يعود لبنان هو لبنان الذي نعرفه، وستكون إسرائيل الرابح الأكبر، بصفتها الساعية إلى تقسيم المنطقة لدويلات صغيرة قائمة على اعتبارات ديموغرافية وعرقية ومذهبية، لكي يصبح وجودها مقبولاً في المنطقة بصفتها دولة يهودية.
تبقى الإشارة الى أنه جرى الرجوع في البحث عن معنى "المشاركة" الى قواميس اللغة العربية، ولا ندري ما إذا كانت تلك الكلمة تفيد في الفارسية خلاف ذلك، كالمثالثة مثلاً أو التعطيل، فاقتضى التنويه.