#adsense

الشراكة “الحقيقية” تبنى على أساس تعميم مبدأ “لبنان أولاً”

حجم الخط

السؤال هو عن نوع الحكومة القادرة على مواكبة التقارب العربي والانطلاقة المتجدّدة لعملية السلام
الشراكة "الحقيقية" تبنى على أساس تعميم مبدأ "لبنان أولاً"

قد يطيبُ للبعض في 8 آذار التخفيف عن النفس بالتقليل من تبعات الإنتخابات النيابية، والترويج لمقولات ان بعدها لا يختلف كثيراً عمّا قبلها، وأنّ طبيعة الأمور تتجه مع المجلس النيابيّ الحاليّ إلى حيث كسر حدّة الإستقطاب الثنائيّ بين 8 آذار و14 آذار، بحيث توضع البلاد أمام إحدى شراكتين: فإمّا الشراكة على أساس "التعطيل" كما كان الوضع في مرحلة "الثلث المعطّل"، وإمّا الشراكة على أساس "تمييع السياسة" كما يمكن أن يكون الوضع من الآن فصاعداً.

وللشراكة على أساس "تمييع السياسة" عناوين كثيرة: منها القول إنّ محوراً "وسطيّاً" سينشأ من رحم توازنات المجلس النيابيّ الحاليّ ويذّوّب الأكثريّة والأقليّة، لكن لصالح شعارات 8 آذار، ومنها القول ان التقارب الإقليميّ بين الدول العربيّة يمكّنه أن يعود بالبلاد إلى معادلات كان معمولاً بها في التسعينيات، بحيث يلتزم فريق بالإقتصاد ويحتكر الفريق الآخر مسائل الأمن والدفاع والخارجية ويسطو على الثقافة, ويحاصر بهذه العناوين الأربعة المساحة المتروكة للإبداع الإقتصاديّ.

والأساس في هذا "التمييع للسياسة" التعمية على السمة الرئيسيّة لهذه المرحلة الإقليميّة وهي إعادة تحريك عملية السلام على أساس مبادرتين عربيّة وأميركيّة يسحب الحجّة الإسرائيليّة التي مفادها أنّ "لا شركاء حقيقيين لإنجاز التسوية".

إن التقارب العربيّ ـ العربيّ، والإنفراج الغربيّ مع بعض الدول العربيّة، وما يحكى عن انتشال النظام السوريّ تحديداً من الحضن الإيرانيّ، كلّها مسارات مبنية على الحظوظ الجديدة لإعادة تحريك عملية السلام.

وإذا كان هذا الأساس في كل ما يجري التعويل عليه من تفاؤل، فإنّه تفاؤل من النوع الذي ينبغي أن تندفع إليه "قوى 14 آذار" أكثر من سواها، لأنّ الأفق الإستراتيجيّ لـ"ثورة الأرز" هو أن تتأهّل المنطقة مجدّداً لإعادة تحريك عملية السلام، بل إنّه البعد العربيّ العضويّ في "ثورة الأرز" منذ البدء.

ومن هذا المنطلق بالذات ينبغي البتّ في نوع الشراكة، الحكومية وغير الحكومية، التي يحتاجها البلد. "الشراكة على أساس التعطيل" انتهت صلاحيتها. و"الشراكة على أساس تمييع السياسة" أي توهّم العودة إلى صيغ حكمت لبنان في التسعينيات هي أيضاً شراكة بلا أفق.

وحدها الشراكة على أساس مبدأ "لبنان أوّلاً" والإلتزام اللبنانيّ بمبادرة السلام العربيّة يمكنها أن تعيد الإعتبار للسياسة، ولعدم جواز فصل السياسة عن الإقتصاد، وعدم جواز فصل لبنان عن التسوية الإقليمية.

السؤال إذاً: ما هي الحكومة التي يمكن أن تنهض بمستلزمات المواكبة اللبنانية لآفاق التقارب العربيّ العربيّ ولحظوظ انطلاقة متجدّدة لعمليّة السلام، والتأهب في الوقت نفسه لمواجهة المضاعفات الأولى للممانعة الإسرائيليّة أمام هذه العمليّة، في مقابل التصميم الإميركيّ على إنجازها؟
إن تحديد حجم الأرجحية الوزارية لـ14 آذار، والحصّة المرجّحة لرئيس الجمهوريّة، والحصّة المعقولة لـ8 آذار، لا يمكن أن يخضع لمنطق "المحاصصة" في شكله المحليّ فقط، بل عليه أن يجيب أوّلاً عن هذا السؤال. كل ما من شأنه أن يعرقل قيام حكومة قادرة على هذه الدرجة من المواكبة الإقليميّة ينبغي وضعه على الرّف.

ومثل هذا السؤال يثبت أنّ شعار "لبنان أوّلاً" ليس منعزلاً عن قضايا المنطقة في شيء، بل هو في صلبها، لأنّه مبنيّ على تصوّر إستراتيجيّ معيّن لحاجة شعوب المنطقة إلى السلام، ولأنّ "لبنان أوّلاً" هو صنو "مصر أوّلا" في مصر، و"فلسطين أولاً" في فلسطين، و"سوريا أولاً" و"العراق أولاً" و"إيران أولاً"، أي إعادة صياغة المنطقة على أساس دول وطنية بدلاً من أن تؤدّي محاولات الهيمنة المختلفة في ما بينها إلى تفتيتها إلى عصبيّات أولى.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل