ماذا يعني موضوع جاد المالح؟
طوني بدر
جاد المالح، فكاهي وممثل مغربي فرنسي لاقى نجاحا باهرا في فرنسا وكندا والولايات المتحدة الأميركية، نجاح وضعه في قمة عرش الفكاهة الفرنسية، حيث تم اختياره في كانون الثاني 2007 كأكثر الشخصيات الفرنسية مرحا، تلاقي عروضه اقبالا ً كثيفا في كل انحاء العالم.
كان من المتوقع قدومه الى لبنان في سياق مهرجانات بيت الدين وقد تم حجز كامل البطاقات، غير ان قناة المنار، التابعة لحزب الله، بثت تقارير تعلن ان جاد المالح يعمل لمصلحة اسرائيل واستقباله يأتي لمصلحة اسرائيل ورفضت قدومه ، فتم انذار جاد المالح الذي الغى حفله في لبنان متخوفا ً من احداث أمنية.
لكي لا ندخل في تصانيف البعض المسبقة، حول مواطن من درجة أولى ، متعامل او ما بينهما من لا مبالي، أؤكد بشكل قاطع رفضي كلبناني، أو كمواطن، أو حتى بصفة انسانية بحت، ترفض الظلم من أي جهة أتى، أن استقبل في أرضي أي شخص شارك بشكل مباشر ٍ في الحرب الأخيرة على لبنان.
غير أن ذلك، يبقى رهن اشارة الدولة اللبنانية، ووزارة الثقافة والسياحة، وليس امرا ً مطاعا ً لأي حزب كان.
المشكلة أيها السادة، ان الأمور في لبنان تغيرت، فلم يعد جزء من الشعب يساق باسم السلطة نحو توجهات ايديولوجية يرفضها، بل أصبحت الدولة بأسرها، تساق الى خطف حرية القرار لديها، وباتت هوية لبنان التعددي، المنفتح على العالم بأسره، تتعرض للتغيير على يد مجموعة راديكالية ترفض السماح للدولة اللبنانية بالمحافظة على هامش من الديمقراطية والنظام الحر.
المشكلة، لم تعد سياسية فحسب. انها حرب ثقافية، فدول الانظمة الشمولية تفرض رأياً واحدا، واعلاما ً واحداً، ومفاهيم واحدة، وتربية ثقافية واحدة!
اما جاد المالح – الذي نفى ما أشيع عن كونه خدم في اسرائيل ، والذي يبقى أفضل من وزراء بريطانيا الذين يستقبلهم حزب الله اليوم فيما كانوا يرسلون الاسلحة الى اسرائيل في حربها الماضية- فالأمر لم يعد يتعلق به فحسب، بل يتعداه الى كل لبناني حر، مثقف، يرفض ان يعيش كقطيع من الماشية يساق الى ثقافة لا يعرفها، ويذبح حين يصبح الراعي بحاجة لدماء يحيا عليها في ثقافتها.
قد يكون جاد المالح مناصرا ً للنظام في اسرائيل، أو قد لا يكون، هذا شأنه وحده. قد يأتي الى لبنان ويقاطع حزب الله مهرجانه، فهذا حق حزب الله ونحن نتمسك له بهذا الحق. أما ان يرفض حزب الله مجيء جاد أو غيره، فهذا ليس من حقه، الا اذا صرنا نعيش في دولة حزب الله ولا ندرك.
الحرب الثقافية ليست جديدة ، بدأت منذ التسعينات بمحاولة فرض تاريخ جديد على اللبنانيين، وثقافة جديدة, وحضارة اجتماعية جديدة، كي ينسوا ما مروا به على مدى السنين.
المشكلة أيها السادة، اننا من جديد سنسكت!
لن يأتي جاد المالح، كما لم يعرض الفيلم الكارتوني الايراني… لن يأتي حسن نصرالله على برنامج بس مات وطن، أو تحترق بيروت… لن تأخذ الدولة قرارات ، او 70 مرة 7 أيار ينتظرنا!
المشكلة، ان المواطنية في بلدي اصبحت حالة ذمية، وأضحت الحرية تحيا بذمة حزب الله وأرائه الايديولوجية.
المشكلة، ان اصحاب الفكر، او أكثرهم، يخافون، يسكتون، ينصاعون ، فيكمل حزب الله نحو أدلجة النظام، فما من حرية الا تلك التي يراها مجلس حزب الله مؤاتية، وما من مواطنية، الا ما تعتبره المنار فعلا ً وطنياً .
انه الزمن الرديء فعلاً ـ يصبح لبنان سوريا أخرى، ايران اخرى يقتل فيه المعارضون في الطرقات، ويحيا فيه الاصلاحيون حياة ذمة لم يرتأوها يوما ً قادمة.
انها الحرب النفسية، الثقافية… تذكروا ، البارحة بيروت، والفيلم الكرتوني، ومايا كيروز وانتم صامتون!! اليوم فرضوا رفض جاد المالح، غدا ً ، سيرفض حفل موسيقي لفرقة اميركية ، تحت شعار تأييدها الالحاد، بعد غد، برنامج تلفيزيوني لأن النساء يرتدين ملابس لا تليق بمجتمعات الحرب.
حزب الله حر ّ أن يرفض ما يشاء، وهذه هي أمثولة الحرية التي ننشدها، لكنه حر ّ أن يطبقها على مناصريه فحسب، ولا يعمم حالة العماء الثقافي على عامة عموم هذا الوطن.
ان لم يكن بينكم من يقول اليوم كفى، فهنيئا ً لحزب الله معركته، وللشعب اللبناني الثقافة الجديدة.
للبارعين في التنصل أقول، تذكروا قول اللاهوتي مارتين نيمولر، حين تحدث عن سكوت المثقفين الالمان تجاه هتلر قائلا ً:
جاء الفاشيست في المانيا النازية وأعتقلوا اليهود لم أتكلم لاني لست يهوديا. ثم جاءوا وأعتقلوا الشيوعيين لم اتكلم لاني لست شيوعيا. ثم جاءوا واعتقلوا قادة نقابات العمال لم أتكلم لاني لست نقابيا. ثم جاءوا واعتقلوا الكاثوليك لم أتكلم لاني بروتستانتي. أخيرا جاءوا وأعتقلوني وحينها، لم يبق أحد للدفاع عني.