وراء طوفان القمم ؟
ربما لم يعد الوزير السعودي الدكتور عبد العزيز خوجة يجد وقتا كافيا لكتابة قصيدة. لكن الخوض في بحور السياسة يكون أحيانا ممتعا مثل الغرق في تفاعيل القصائد، فكيف اذا كان ينهمك في جزء من "إلياذة سياسية"، تبدأ بالمبادرة العربية للسلام وتنتهي الآن بإعادة ترتيب البيت العربي على قاعدة إحياء التعاون في المثلث السعودي – المصري – السوري؟
صار صعبا على المراقب أن يتابع أخبار هذا الطوفان من القمم العربية المتتابعة، التي إن دلّت على شيء، فانما تدل على استنهاض كبير وشامل تقريبا، يحض الزعماء والقادة العرب على مواجهة التحديات الكبيرة والمتنوعة التي تواجه الدول العربية من المحيط الى الخليج:
التحديات الاسرائيلية وخطط حكومة نتنياهو التوسعية العدوانية، اتساع الخلاف الاميركي الاسرائيلي، المأزق الفلسطيني، المأزق اللبناني، المسألة الايرانية وانعكاساتها على الساحة العربية، التشويه الصهيوني للسمعة العربية والاسلامية في العالم، موضوع الارهاب وتداعياته الدولية والاقليمية.
❒❒❒
كانت هذه الخريطة من أوجاع الرأس والمشاكل والتحديات، ماثلة تماما في ذهن خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله، وهي بالتحديد التي دفعته خلال قمة الكويت الى اطلاق مبادرته لطي صفحة الانقسامات التي بلغت ذروتها خلال العدوان على غزة، وفتح صفحة جديدة من الوئام والتفاهم والتأسيس لإعادة بناء التضامن العربي بما يساعد العرب والمسلمين على مواجهة طوفان المشاكل بالحد الادنى من التنسيق والتفاهم.
يوم الاثنين الماضي قمة مصرية – سعودية في الرياض، ويوم الثلثاء قمة مصرية – سعودية – بحرينية في شرم الشيخ. واذا تذكرنا القمم المتتابعة منذ قمة الكويت الاقتصادية وما تبعها من لقاءات يمكن أن نفهم تماما مدى تسارع الاحداث وتدافع الملفات امام المسؤولين العرب.
❒❒❒
الآن تزدحم أمام المثلث العربي: السعودية – مصر – سوريا، مجموعة من الامور الطارئة والمستعجلة وهي:
❒ أولا: الملف الفلسطيني، وهو من شقين: ترتيب العلاقات داخل البيت الفلسطيني، ومواجهة تداعيات رفض الحكومة الاسرائيلية لخطة باراك أوباما حول مبدأ الدولتين، وايجاد تسوية شاملة لأزمة الشرق الاوسط.
❒ ثانيا: ترتيب العلاقات السورية – المصرية وإعادة المياه الى مجاريها بين القاهرة ودمشق عبر المساعي التي يبذلها الملك عبدالله شخصيا، وكذلك استكمال ترتيب العلاقات السعودية – السورية، وإعادتها الى مستواها السابق بما يفيد الطرفين والأمة العربية كلها، وذلك عبر قمة عبدالله – الاسد في دمشق.
❒ ثالثا: التعاون السوري – السعودي في إرساء قواعد الوفاق والتفاهم بين اللبنانيين بالتنسيق مع مصر، وهو ما يفترض أن يأتي متوازيا مع المجهود الذي يبذله الرئيس المكلف سعد الحريري في مسألة تشكيل الحكومة العتيدة. ولعل من المفيد أو بالأحرى من الضروري أن يتأمل المرء مليا في الكلام الذي نشر في بيروت ومفاده أن التفاهم في اطار معادلة "س – س"، أي السعودية وسوريا، مهم جدا للبنان، لكن التفاهم في اطار معادلة "س – س" أخرى، أي سليمان – سعد، مهم جدا ايضا في توفير قاعدة لبنانية يرسو عليها التفاهم بين دمشق والرياض.
❒❒❒
في أي حال، تصادف كل هذه التطورات الحساسة والدقيقة، الذكرى الرابعة لتولّي خادم الحرمين الشريفين مسؤولية القيادة في المملكة العربية السعودية، حيث يمكن في هذه المناسبة التوقف أمام مجموعة من الملفات والقضايا الدقيقة والحساسة التي أنجزها خلال هذه المدة وهي:
❒ أولا: "المبادرة العربية للسلام" التي أعطت العرب أفقا استراتيجيا مفهوما من دول العالم، حيث كان العدو الاسرائيلي يزعم دائما ان العرب يعادون السلام ولا يملكون مشروعا للتسوية السلمية، فجاءت مبادرة عبدالله لتحرج اسرائيل وتقدم صورة ايجابية عن العرب، وخصوصا الآن بعدما استند أوباما في خطة التسوية الى جزء أساسي من محتوى هذه المبادرة.
❒ ثانيا: مسارعة عبدالله شخصيا عبر اتصالاته الدؤوبة مع الزعماء الايرانيين، وعبر مساعي السفير خوجة آنذاك في بيروت لوأد الفتنة الشيعية – السنية التي ينفخ الاعداء في رياحها المسمومة.
❒ ثالثا: إقدام عبدالله على طي صفحة الماضي والخلافات العربية وفتح صفحة جديدة من التفاهمات والمصالحات التي من شأنها توحيد الموقف العربي وتقويته في مواجهة اسرائيل وفرض الارادة العربية في أي تسوية لأزمة المنطقة، ثم دعم اللبنانيين في طي صفحة الخلاف بينهم وكذلك الأمر بالنسبة الى الفلسطينيين.
❒ رابعا: إدخال العرب في مصاف القرار الدولي الكبير، عبر مشاركة خادم الحرمين الشريفين في قمة الكبار العشرين "G20"، التي تعطي السعودية وعبرها العرب أجمعين صوتا مؤثرا في اتجاهات الاقتصاد العالمي، وهذا شيء في غاية الأهمية.
❒ خامسا: تقديم نموذج ناجح ومتقدم في معالجة الارهاب عبر مدرستين: مدرسة القوة والمكافحة ومدرسة الاستيعاب واعادة التأهيل. وقد نجحت الرياض في التصدي للارهاب اكثر من أي دولة أخرى وحتى من أميركا التي غرقت في الحروب المأسوية.
❒ سادسا: نجح عبدالله في فرض السعودية دولة مرجعية في المسائل المتصلة بشؤون العرب والاسلام، والدليل ان الرئيس أوباما حرص على أن يجتمع معه لمدة تزيد عن ساعتين، قبيل انتقاله الى القاهرة لإلقاء خطابه الموجّه الى العالم الاسلامي.
❒ سابعا: لقد كان مبدأ التضامن العربي هو الاساس الذي قامت عليه سياسة السعودية دائما، وبرغم كل المحاولات الاقليمية والدولية لإسقاط هذا المبدأ، نجح عبدالله في اعادة إرساء هذا المبدأ كقاعدة للعلاقات وترتيب شؤون البيت العربي. ربما لهذا تعمد الامير سلمان بن عبد العزيز أمير الرياض، الحديثَ عن السياسة المتوازنة التي ينفذها خادم الحرمين الشريفين لخدمة قضايا العرب والمسلمين، وكأنه بالفعل يتحدث عن إلياذة سياسية من أجل الأمة!