#adsense

القومي في نظر مغادريه: التقوقع مستمرّ

حجم الخط

القومي في نظر مغادريه: التقوقع مستمرّ

في 7 أيار الشهير، كرّس الحزب السوري القومي الاجتماعي نفسه لاعب هجوم في فريق المعارضة. ومن يومها، أعطت المعارضة لهذا الحزب الكثير. لكن بعد نحو عام على انتخاب النائب أسعد حردان رئيساً للقومي، لم يحقّق الحزب بعضاً من تطلّعات القوميين الكثيرة

في مقاهي الحمرا في بيروت، وفي مقاهي التل وشارع المئتين في طرابلس، وفي المطاعم- الخيم في أنطلياس وضهور الشوير في المتن، وفي ساحات بلدات الكورة، وفي غيرها من المناطق، ينجح القوميون في تحويل المقاهي إلى مقارّ حزبية. ويلتقون فيها ساعات عدّة يومياً، يحلّلون، يناقشون ويستخلصون العبر، ثم يعودون إلى منازلهم. يتكلمون في كل شيء إلا عن شؤون حزبهم، يمرون به مروراً سريعاً، خجولاً، كأن ما فيه يتعب قلوبهم وعقولهم ويكشف عجزهم. ومعظم هؤلاء يفضّلون المقاهي لأنهم يواجهون مشكلة مع القيادة الحالية للحزب، وخصوصاً مع رئيسه النائب أسعد حردان.

يبدو أن هذه الفئة تمثل شريحة كبيرة قررت الابتعاد عن المؤسسة الرسمية، لكن دون الالتحاق بحزب أو زعيم آخر، فيما دفع اليأس آخرين إلى الذهاب نحو أماكن أخرى من المكاتب الفخمة في قريطم إلى عمارة شلهوب، وصولاً إلى دارة النائب ميشال فرعون.
ويعتبر هؤلاء أن عدد القوميين الذين باتوا خارج التنظيم الحزبي أضعاف من بَقي داخل أطر الحزب، ويتحدثون عن استحالة التلاقي مع القيادة الحالية، علماً بأنه جرت محاولة جدّية قبل الانتخابات لإعادة جميع القوميين إلى داخل مؤسسات الحزب.

كلام بعض الخارجين من الحزب يتوزّع اليوم على مستويين: الأول يقوّم أداء النائب حردان بعد عام على تولّيه القيادة، والثاني يركز على ما أظهرته الانتخابات. ويقول أحد المبعدين من الحزب إن حردان انتخب رئيساً في مرحلة كان يفترض أن يكون الحزب القومي أحد أعمدتها، وقد ظنَّ من شجّع حردان على الترشح أنه قادر على النهوض بالحزب كما يفترض. فكانت النتيجة أن حل حردان محل علي قانصو في رئاسة الحزب، وحل قانصو محل حردان في رئاسة المكتب السياسي. وبقيت الأمور على حالها: لم يتكثّف النشاط الحزبي، ولا تكثّفت الندوات، ولا تغيّر المسؤولون في المناطق، ولا حوسب من يفترض أنهم تقاعسوا في عملهم، ولم يحصل أي تغيير جدي لا على مستوى المدارس ولا الجامعات ولا النقابات، وبقي الحزب في رقاده العميق، لا انبعاث ولا قيامة باستثناء «التفريغ العسكري» الذي ازداد في السنة الماضية.

يسجل هنا أن التفريغ العسكري حصل من دون الإعداد القومي التقليدي لمجرد القول إن ثمة عدداً، والإثبات لمن شجع على انتخاب حردان رئيساً أنه ينجح في القيادة و«ها هو الحزب يخرّج دفعة مقاتلين تلو الدفعة». ويشير أحد المطّلعين إلى أن الموازنة المالية للحزب زادت في السنة الأخيرة عشرة أضعاف عمّا كانت عليه أيام الرئيس الأسبق جبران عريجي.

وفي السياق نفسه، يقول قوميٌّ عتيق إن الحزب «تخلّى عن دوره السياسي والسجالي في أكثر المراحل احتداماً سياسياً، ولم يبادر إلى بلورة طرح علماني رغم أن الأزمات المذهبية تسمح عادة بتقبّل طرح كهذا، وخصوصاً أن الأحزاب الأخرى كانت تنادي بالانفتاح من جهة وتعزز منطق التقوقع من جهة أخرى. والأهم، لم يسعَ الحزب إلى استقطاب القوى الأخرى أو محاولة صعود السلم لأداء دور ذاتي في إدارة الصراع، لا الاكتفاء بأداء مهمات محددة مطلوبة منه». ومن هنا، يدخل متابع قومي آخر إلى موضوع الانتخابات، متوقفاً عند مفارقة «عدم قيام أي طرف، باستثناء طلال أرسلان، بزيارة مركز الحزب القومي عشية الانتخابات، وعدم قيام الحزب أيضاً بزيارات فوق العادة».

وفي التفاصيل الانتخابيّة، يشير أحد الخارجين من الحزب إلى أن رئيس الحزب أعلن قبل 3 أشهر من الانتخابات أمام مجلس العمد أن الحصة النيابية للحزب ستراوح بين 6 مرشحين و8. ولاحقاً، وضعت المعارضة، وخصوصاً حزب الله، قدرات مادية كبيرة بتصرف الحزب القومي كي ينجح في الانتخابات، ولم يرفض حزب الله طلباً لقيادة القومي.

وبادر حزب الله إلى التدخل لدى العماد ميشال عون لإقناعه بصعوبة استبدال نائب رئيس الحكومة اللواء عصام أبو جمرة الذي كان ينوي الترشح عن المقعد الأرثوذكسي في مرجعيون بالنائب حردان الذي يشغل أصلاً هذا المقعد، فوافق عون. ثم أقصى حزب الله المرشح المفترض عن المقعد الكاثوليكي في دائرة بعلبك ـــــ الهرمل ألبير منصور لمصلحة إبقاء النائب مروان فارس في موقعه، رغم قرب منصور الكبير من المعارضة وقدرته على إعطاء زخم لخطابها السياسي. وهكذا حافظ نائبا الحزب على كرسيّهما، وهما فازا في النيابة في دائرتين يمكن كل من يصعد باص المعارضة فيهما أن يصل إلى المجلس النيابي، وبالتالي لا فضل شخصياً لحردان وفارس بوصولهما إلى المجلس.

في المقابل، خسر مرشحو الحزب في معقلي القوميين الأساسيين في الكورة والمتن، ونال المرشحان غسان الأشقر في المتن وسليم سعادة في الكورة أقل عدد أصوات بين المرشحين في لائحة كل منهما. هنا، يتحدث أحد الخارجين من الحزب عن «إقطاع سياسي حزبي داخلي» يزداد تعقيداً يوماً تلو آخر. وتُوجّه للمرشحين ـــــ النائبين السابقين مجموعة انتقادات، أبرزها أن الحجة الوحيدة لترشح سعادة هي أنه ابن عبد الله سعادة، وهو رفض تحت حجج متنوعة خوض الانتخابات عام 2005، طالباً من رئيس تيار المردة سليمان فرنجية عدم ترشيح قومي آخر محله، وقد أمضى وقتاً طويلاً بين انتخابات 2005 و2009 خارج لبنان. وفور انتهاء الانتخابات الأخيرة، غادر البلد. أما غسان الأشقر فهو إذا قارنه أحد الحزبيين السابقين مع سعادة، يراه حاضراً في حياة الحزب (بصفته عضواً منتخباً في المجلس الأعلى للحزب). وكان لافتاً، بحسب المتحدثين أنفسهم، عدم سعي قيادة الحزب لفرض مرشح قومي على لائحة المعارضة في الشوف (سبق للرئيس الأسبق للحزب إنعام رعد أن خاض انتخابات الشوف وترشح في الدورة السابقة فارس ذبيان). ولم يضغط الحزب جدّياً لترشيح أحد في عاليه.

في الختام، يقول أحد المطّلعين على بعض تطلعات القومي إن الحزب في نقطة تحوّل سياسية بارزة، ولم يواكب ما يجري من حوله: لم يرفع إعلاناً جذاباً، لم يطرح عنواناً سجالياً، لم يدخل في مناظرة جديّة، لم يرشح وجهاً جديداً ولم يقدّم دليلاً واحداً على نيته الخروج من تقوقع قيادته على قاعدته.

القاتل والضحايا

يورد أحد الحزبيين السابقين مثلاً يعبّر بحسبه عن حال الحزب: قُتل 11 قومياً في مركز الحزب في حلبا. وثمة أسئلة عما كان يمكن الحزب أن يفعله لإنقاذهم، إذ لم يبادر القوميون إلى التحرك لإنقاذهم رغم صمودهم أكثر من ساعتين، ولاحقاً مرَّت المجزرة مرور الكرام، وسارع رئيس الحزب في زمن المجزرة علي قانصو إلى الجلوس على طاولة مجلس الوزراء من دون أن يسمع اعتذاراً من سعد الحريري ـــــ رئيس التيار المتهم بالاشتراك في المجزرة ولا من الرئيس فؤاد السنيورة الذي حرص على تجاهل المجزرة في سياق شجبه لأحداث أيار. ولا يعرف معظم القوميين اليوم إلى ماذا توصلت التحقيقات القضائية. والأسوأ من كل ذلك أن خالد ضاهر الذي اتهموه بالتخطيط للمجزرة بات نائباً يمثل كل العكاريين وضمناً عائلات من جُزّر بهم؛ فيما عجز الحزب، بعد الثمن الغالي الذي دفعه في عكار، عن أن يحجز مقعداً لمرشحه الذي اضطر في نهاية الأمر إلى الانسحاب، مع العلم بأن دائرة عكار كانت أحد مراكز النفوذ الأساسية بالنسبة إلى الحزب الذي كان يمكن أن يوفر الحضور للمعارضة في عدّة بلدات سنيّة لو تم تفعيل دوره، كما يفترض المصدر نفسه. 

"البناء"… والصحافة الحزبيّة

فور تسلمه رئاسة الحزب، بذل أسعد حردان جهداً لإصدار صحيفة «البناء»، معتبراً أنها ضرورية لإيجاد تيار شعبي يواكب صعود الحزب. لكن سرعان ما استقال النائب السابق لرئيس الحزب يحيى جابر من رئاسة تحرير «البناء». وذهبت معظم المواقع الرئيسية في الصحيفة إلى غير القوميين. في ظل لامبالاة معظم كتاب الحزب وصحافييه بالجريدة. وبحسب بعض الخارجين من الحزب فإن «البناء» لم تضف شيئاً، ولم تسهم بخلق رأي عام قومي يواكب الحزب بفعالية. ويشير هنا أحد المتابعين إلى وجود مجموعة كبيرة من الإعلاميين المقربين عقائدياً من الحزب القومي في عدّة وسائل إعلام، بعضها أقرب إلى الأكثرية. لكن الحزب لا يبالي بهؤلاء ولا يبذل أي جهد لاستيعابهم.

غسان سعود

المصدر:
الأخبار

خبر عاجل