#dfp #adsense

بين ديمقراطية صناديق الاقتراع وديمقراطية التوافق

حجم الخط

بين ديمقراطية صناديق الاقتراع وديمقراطية التوافق
المحامي جورج ابو صعب

منذ انتصار الاكثرية وثورة الارز في الانتخابات النيابية الاخيرة في 7 حزيران الماضي والمواطن يلاحظ ارتباكات في المواقف من طرف بعض اركان ثورة الارز وقوى الاكثرية، وكأن الفوز في الانتخابات كان صاعقا على البعض ممن فازوا، او كأن الفوز حصل في اطار بازار معين. مع العلم ان من جعل فريقا يفوز على الاخر بالنتيجة ارادة شعبية رفعت التحدي وصوتت للفريق الذي أمن بثورة الارز ولبنان السيادة والاستقلال والحرية .

فانطلاقا من هذا الانطباع تبرز لدينا القراءات التالية :

1- سبق لنا في مقالات سابقة ان حذرنا من ان تعطى الاقلية بالسياسة والمساومات والتنازلات ما عجزت عن نيله في الانتخابات. فاذا كان المطلوب بناء الوحدة الوطنية الحقيقية فهذا لا يعني بالضرورة ان تكون على حساب القناعات والمبادئ المعلنة والتي خاضت قوى الاكثرية معركتها الانتخابية على اساسها، سيما وان المعارضة قبل واثناء وبعد الانتخابات الاخيرة كانت ولا تزال تشدد على انه مهما كانت النتائج الانتخابية فلا مفر من قيام ديمقراطية توافقية .
من هنا ننظر بعدم ارتياح الى مواقف بعض اركان ثورة الارز الاخيرة التي اوحت في العلن بان ثمة تراجعات استراتيجية لديها عن ثوابت لطالما بني الاجماع الاكثري عليها : فلبنان كان وسيبقى اولا قبل اي اعتبار اخر – فلا يمكن تفهم الخوف من منادات الاكثرية بلبنان اولا ولماذا يكون هذا الشعار ممنوعا اليوم وهو الذي كان اساس توحد قوى 14 اذار وانطلاق معركة الاكثرية منذ 2005 ؟

2- ان أخطر ما يقع فيه لبنان واللبنانيون كل مرة هو ان بعض القيادات تحتاج الى صوت الرأي العام دون ان تحتاج الى قناعاته ورأيه فيما يدور حوله : فالناخب الذي صوت للاكثرية على اساس مبادئ ثورة الارز هو نفسه الذي حضر الى ساحة الكرامة والحرية عدة مرات كلما نادته قياداته لتجديد الولاء والعهد والوعد بثورة الارز وشهداء انتفاضة الاستقلال – فهؤلاء اللبنانيون لم ينتخبوا الاكثرية الحالية كي تلتف على ارادتهم فيما بعد وتتخلى عن مبادئ وثوابت ثورة الارز – لان في ذلك تنازلا عن المقدسات – واخلالا بموجبات التصويت والتكليف الشعبي للنواب الحاليين في الاكثرية .

3- واللافت في ما يجري انه وفي وقت اظهرت الاكثرية ليونة وانفتاحا غداة الانتخابات النيابية وتكليف الشيخ سعد الحريري بتشكيل الحكومة الاولى بعد الانتخابات – اذا بقوى 8 اذار وكأنها تتهكم على قوى الاكثرية وتأخذ عليها هي التراجع فيما المعارضة ماضية في مواقفها المتصلبة والمبدئية – كاستمرار اشتراط الثلث المعطل والمشاركة في الحكومة الجديدة والمطالبة بنسب معينة من الحقائب الوزارية – حتى يخال لنا ان انتخابات لم تحصل وان اكثرية لم تتحقق لقوى 14 اذار وكأن المفاوضات الحاصلة اليوم حاصلة بين نصفي الوطن بالتساوي او كان المعارضة نالت الاكثرية والموالاة تهرول عليها لضمان الحفاظ على عدد من المقاعد وربما غدا على حد أدنى من الثوابت في البيان الوزاري العتيد – وهذا امر نرفضه كما يرفضه منطق الديمقراطية ومنطق وجود أكثرية وأقلية ومنطق الانسجام مع مبادئ ثورة الارز وثقة المواطن الغالية .

4- فديمقراطية صناديق الاقتراع غير ديمقراطية صناديق المساومات والتسويات تحت شعار المشاركة – الم تكن الاكثرية مصرة على عدم المشاركة في اية حكومة مقبلة لو فازت المعارضة في الانتخابات ؟ فمن سواك بنفسه ما ظلمك – خصوصا واننا أثبتنا في اكثر من موقف ان المشاركة الحقيقية والديمقراطية الحقيقية تكون في حكومة أكثرية تحكم وفي معارضة تحاسب وتراقب وتطرح الثقة – كما ان التجارب الحكومية السابقة واخرها حكومة تصريف الاعمال اثبتت باقرار واعتراف اعضاء الحكومة ورئيسها فشل اي مشاركة تعطي للمعارضة قدرة على التأثير على قرارات وسياسات الحكومة – فلا بأٍس من أن تكون الاكثرية كما دائما – أم الصبي – ولكن على ان لا تتأثر الام بالصبي بل العكس – فيتغير الثاني على مثال الاولى لا العكس كما يبدو ان البعض اليوم يوحي لنا بأنه حاصل .

5- ثم ما أهمية وما فائدة صناديق الاقتراع ان بقينا على هذه الحال من المساومات والتوليفات الحكومية ؟ وبعبارة اوضح لا نرى ما أهمية الانتخابات النيابية اذا كانت الاكثرية سوف توالي المعارضة في اعتبار ان لا مجال في لبنان الا للتوافق او لبدعة الديمقراطية التوافقية – فبذلك نكون – من حيث ندري او لا ندري – قد وافقنا المعارضة في موقفها قبل الانتخابات من ان مهما كانت نتائج الانتخابات فان لبنان محكوم بالديمقراطية التوافقية – فنساهم في زيادة رصيد مصداقية المعارضة على حساب قناعات غالبية الشعب اللبناني الذي صوت للاكثرية الجديدة .

6- من هنا نرى ان قوى الاكثرية اليوم ومن خلال تكليف الشيخ سعد الحريري امام تحد مصيري لا يقل اهمية وخطورة سياسية من المرحلة التي سبقت الانتخابات النيابية الاخيرة – بحيث ان الاكثرية وقوى 14 اذار تحديدا مدعوة الى توضيح ملابسات خطاب بعض قيادييها الجديدة في الاونة الاخيرة – خصوصا وان اي ضعف او ارتباك في صفوف الموالاة يقوي الطرف المعارض وما أحداث عائشة بكار الاخيرة – ومهما قيل من رفع غطاء الاطراف عنه او عدم رفع غطاء – لم تكن الا بمثابة اخطار او انذار بان القرار في الشارع لا يزال في قبضة المعارضة ان لم تحصل هذه الاخيرة على ما تريده – فبين ديمقراطية صندوقة الاقتراع وديمقراطية سلاح عائشة بكار يقع الحدين اليوم الذي يترتب على الاكثرية ان تختار بينهما والعمل على العبور الى الدولة – ذاك الشعار الذي يبدو لدى البعض انه نسيه ونسى البرنامج الانتخابي لقوى 14 اذار واعلان البيال – وهذا العبور الذي لن يتم بالمساومات والالتفاف على نتائج الانتخابات والخروج بتشكيلة حكومية تعيد عقارب التعطيل والتجاذبات الى الواجهة – تحت شعار هذه الديمقراطية التوافقية او الشارع .

انها فعلا ساعة الحقيقة … وبداية مسيرة المحاسبة … لكل الاطراف على الساحة …
فالثبات على الثوابت يقابله انهيار وتنازلات وعلينا اليوم كاكثرية منتخبة من الشعب ان نقرر كيف نريد السير في تجربة حكمنا الجديد وكيف نريد الحفاظ على ثوابت ثورة الارز وفي الوقت عينه الانفتاح على الغير من دون ان يمس انفتاحنا بقناعاتنا وثوابتنا …

فبين ديمقراطية صندوقة الاقتراع وديمقراطية التوافق … أخشى الى الان من سقوط الاولى في غياهب المجهول فيما أخشى من الثانية ان تقضي رويدا رويدا على ثورة الارز ومكتسباتها …

يقول المثال الشعبي : اخوت يحكي وعاقل يسمع … وعلى طريقة الاستاذ فيصل سلمان وبالاذن منه : هذا رأيي … فكر فيها .

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل