الاتفاق على التأليف كان ينبغي أن يسبق التكليف
سوريا تحاول جعل العراقيل ورقة ضغط وتوظيف
نجحت سوريا في وضع كرة تأليف الحكومة في ملعبها كي تدير هي اللعبة بعد التكليف، ولم توافق على ان يتم الاتفاق على التأليف قبل التكليف، كي تستطيع ان تلعب باوراقها وتقبض ثمن كل عقدة تتولى حلها، واكتفت بالقول ان لا مانع لديها من تكليف النائب سعد الحريري تأليف الحكومة شرط ان تكون حكومة وحدة وطنية على ان يتم الدخول في تفاصيل التأليف بعد التكليف…
وكان الساعون الى معرفة رأي سوريا في تكليف النائب سعد الحريري تشكيل الحكومة يظنون انها قد تعارض وتضع شروطاً للموافقة على ذلك، لكن سوريا التي تجيد لعبة المناورات والتكتكة وسياسة المساومة والابتزاز، وجدت في تكليف النائب سعد ورقة ممتازة لممارسة هذه السياسة التي قد لا تستطيع ممارستها مع سواه للحصول على ما تريد.
وعوض ان يتم الاتفاق على الخطوط العريضة لعملية التأليف قبل التكليف كما كان متوقعاً، فيصدر مرسوم تشكيل الحكومة بسرعة لتجنب الدخول في اخذ وردّ بين الأكثرية والأقلية وانتظار معالجة شروطهما المتبادلة، فان سوريا رفضت الدخول في تفاصيل عملية التأليف قبل التكليف بحجة ان الاتفاق على التأليف قد يطول التوصل اليه، ولا يمكن تالياً تأخير الاستشارات لتسمية الرئيس المكلف الى حين يتم التوصل الى هذا الاتفاق، فجرت الاستشارات بسرعة وتم تكليف النائب سعد الحريري عملية التأليف وبدأت مع تكليفه التدخلات الخارجية المتعددة الوجة والغاية، في محاولة لمعالجة الشروط المتبادلة بين الأكثرية التي تمثل قوى 14 آذار والأقلية التي تمثلها قوى 8 آذر. وبما انه لا يمكن تشكيل حكومة وحدة وطنية من دون التوصل الى اتفاق بين الأكثرية والأقلية على تسمية الوزراء من ثم على توزيع الحقائب ولا سيما المهم منها، فان الأقلية التي خسرت الانتخابات تحاول ان تربح لعبة تشكيل الحكومة بدعم سوري، والاكثرية التي ربحت الانتخابات تحاول ترجمة هذا الربح في عملية التشكيل.
ولكن بما ان الأكثرية لا تستطيع وحدها تشكيل الحكومة، خصوصاً بعد الاتفاق على ان تكون حكومة وحدة وطنية، فان الأقلية تملك السلاح الذي تربح فيه دائماً معركة تشكيل الحكومة الا وهو سلاح "الثلث المعطل" الذي لا تتخلى عنه الا بثمن تقبضه سوريا… فما هو هذا الثمن؟
يتبين من العودة الى بعض وسائل الاعلام السورية واللبنانية ان المساعدة المطلوبة من سوريا لتسهيل تشكيل الحكومة بالسرعة التي تريدها دول الغرب، ولاسيما الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا، ودول الاعتدال العربي، ولاسيما السعودية ومصر، قد يطول وقت التوصل الى اتفاق للحصول على موافقة الاطراف المعنيين عليها، فكما نجحت سوريا في جعل البحث في التأليف يبدأ بعد التكليف، ولا مانع لديها من أن يكون الحريري هو الرئيس المكلّف، لأنها تقبض معه ثمناً اغلى، فانها نجحت في جعل عملية التأليف تطول لتجعل من يريدونها سريعة يستجيبون المطالبة السورية…
وبعض هذه المطالب، كما جرى تسريبها هي الآتية:
1 – ان يكون الرئيس المكلف سعد الحريري مستعداً لزيارة سوريا بعد الانتهاء من تشكيل الحكومة.
2 – ان سوريا مستعدة للسعي لدى حلفائها في لبنان لحملهم على التنازل عن بعض مطالبهم وشروطهم، ولكنها غير مستعدة لأن تمارس عليهم ضغوطاً تبقى محدودة… لبلوغ ذلك، وهي تتساءل كيف يكون مطلوباً منها عدم التدخل في شؤون لبنان الداخلية خصوصاً في الانتخابات النيابية التي جرت، وفي الوقت نفسه يطلب منها التدخل للمساعدة على تشكيل الحكومة.
3 – ان إعطاء المعارضة الثلث زائد واحد او الرئيس سليمان هو شأن داخلي لبناني، وكذلك الأمر بالنسبة الى توزيع الحقائب لا سيما منها السيادية والخدماتية.
4 – ان تبنى العلاقات اللبنانية – السورية على اساس ما نص عليه اتفاق الطائف، ومعاهدة الاخوة والتعاون واتفاق الأمن والدفاع المعقودين بين البلدين، لاسيما ما يتعلق بالأمن القومي للبلدين وبالتنسيق في موضوع السياسة الخارجية، ووقف الحملات الاعلامية على سوريا كي لا يظل لبنان مكاناً لاستهداف سوريا سياسياً واعلامياً وامنياً واقتصادياً.
5 – ان ترسيم الحدود بدأ بين البلدين، لكن مزارع شبعا لا تزال خاضعة للاحتلال الاسرائيلي وهو ما يحول دون ذلك.
6 – ان تسند للوزراء الذين يمثلون المعارضة وزارات للالتزام بهذه المطالب وغيرها، وهذا يشكل الضمانات المطلوبة التي لا تؤمنها التصريحات ولا حتى البيان الوزاري.
7 – ان نتائج مفاوضات السلام مع اسرائيل هي التي تعزز مصير سلاح المقاومة في لبنان وفي فلسطين.
واذا كانت هذه بعض المطالب السورية التي تربط استجابتها بتسهيل تشكيل الحكومة، فان لبنان له مطالب اخرى تجعل زيارة الرئيس الحريري المكلف لدمشق مبررة، تجاه جمهوره خصوصاً وجمهور 14 آذار عموماً، وتبرر ايضاً اعادة العلاقات اللبنانية – السورية الى طبيعتها، ومن هذه المطالب: الغاء المجلس الاعلى السوري – اللبناني، بعدما فقد مبرر وجوده بقيام تمثيل ديبلوماسي بين البلدين، وازالة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات لأنه خاضع لسوريا، تمهيداً لضبطه داخل المخيمات، وضبط الحدود المشتركة لمنع تهريب الاسلحة وغيرها من الممنوعات.
وتقول اوساط سياسية انه يتبين من كل ذلك. ان لا شيء تغير في لبنان بعد الانتخابات كما كان عليه قبل الانتخابات، فالأقلية تحاول مرة اخرى التحكم بالاكثرية، لتعويض ما خسرته انتخابياً، وان تشكيل الحكومات بحكم الواقع السياسي الداخلي في لبنان، لا يتم الا بتدخل سوري، سواء كان سلبياً او ايجابياً، بحيث يمكن القول ان لبنان ان لم يكن تحت وصاية سورية مباشرة، فانه يبقى تحت وصاية سورية غير مباشرة، وان سوريا التي رفضت تغيير سلوكها حيال لبنان، فان الحاجة اليها جعلت دول الغرب ولاسيما اميركا وفرنسا ودول الاعتدال العربية، لاسيما السعودية ومصر، تغير هي سلوكها حيال سوريا…