سوريا تخسر معركة استعادة لبنان
تقرير أوروبي: "حزب الله" أضعف نفسه
أكد مسؤول اوروبي بارز لجهات لبنانية وعربية ان نظام الرئيس بشار الأسد خسر معركة استعادة لبنان التي خاضها في السنوات الاربع الأخيرة بواسطة حلفائه، وقام خلالها بنشاطات واعمال مختلفة لإضعاف دور القوى الاستقلالية والتي اظهرت نتائج انتخابات السابع من حزيران انها تمثل الغالبية الواسعة من اللبنانيين. وحصل ذلك في الوقت الذي خسر حليفه النظام الايراني "معركة" التضامن الشعبي والسياسي الواسع معه، اذ انه يواجه رفضاً داخلياً جدياً من تحالف الاصلاحيين والمحافظين الواقعيين وانصارهم لخياراته المتشددة لاستراتيجية الصدام والمواجهة مع المجتمع الدولي والكثير من الدول العربية المعتدلة التي يعتمدها ويتمسك بها. وشدد هذا المسؤول الاوروبي على ان نظام الأسد فشل في انهاء الحماية الدولية والعربية الواسعة للبنان المستقل السيد وان الدول العربية والاجنبية البارزة والمؤثرة تتحرك في اتصالاتها مع هذا النظام على اساس ان عهد التدخلات السورية السلبية في الشؤون اللبنانية قد ولّى، وان على القيادة السورية ان تتقبل هذا الواقع وان تعتاده.
هذا ما قاله لنا مصادر ديبلوماسية اوروبية وثيقة الاطلاع في باريس، وأوضحت ان دولاً معنية بمصير لبنان تشجع نظام الأسد على اعتماد استراتيجية جديدة في التعامل مع الواقع اللبناني الاستقلالي تتضمن العناصر الاساسية الآتية:
أولاً – يجب ان يقتنع نظام الاسد بانه ليس قادراً بواسطة الضغوط المختلفة وبمساعدة حلفائه على تغيير موازين القوى السياسية والشعبية لمصلحته في لبنان واعادة ربط هذا البلد مجدداً بسوريا، بل ان من الضروري ان يعتاد التعايش والتعاون مع لبنان المستقل لان ذلك يؤمن على نحو افضل مصالح البلدين. ويدخل في هذا الاطار قرار ادارة الرئيس باراك اوباما تعيين سفير لها في دمشق بعد أكثر من أربع سنوات من سحبه. وتدعم الادارة الاميركية الحالية بوضوح القوى الاستقلالية في لبنان وترفض اجراء اي مساومة او مقايضة مع السوريين تؤدي الى تقليص استقلال هذا البلد او الى تجميد عمل المحكمة الخاصة للبنان.
ثانياً – ما تريده الدول البارزة والمؤثرة، وفي مقدمها اميركا وفرنسا ومصر والسعودية، ليس ايجاد حال من العداء الدائم والمواجهة المستمرة بين لبنان وسوريا، بل على العكس من ذلك، تشجيع البلدين على اعادة العلاقات الطبيعية بينهما بشكل سليم وصحيح، وعلى أساس المساواة والندية والاحترام المتبادل لاستقلال كلا البلدين من اجل تأمين المصالح الحيوية لهذين البلدين وليس لأحدهما على حساب الآخر.
ثالثاً – اقامة علاقات طبيعية بين البلدين تفترض ان يحترم نظام الاسد ارادة الشعب اللبناني الذي اختار في انتخابات حرة فريق 14 آذار وحلفاءه غالبية نيابية وشعبية، وهو ما تطلب من النظام السوري ان يعترف بهذه الغالبية ويتعامل معها ويتوقف عن القول انها "غالبية وهمية" وان حلفاءه هم الاقوى. ومن الضروري قيام علاقات صحية وجيدة بين النظام السوري وهذه الغالبية النيابية والشعبية لأن ذلك يساعد جدياً على تحسين العلاقات بين البلدين بما يحقق المصالح المشروعة لكليهما.
قرارات سورية لعلاقات طبيعية
رابعاً – المعلومات التي تلقتها باريس وعواصم أخرى تفيد ان المسؤولين السوريين اصيبوا بـ"صدمة حقيقية" بعد اعلان فوز فريق 14 آذار وحلفائه بالغالبية الواضحة في الانتخابات النيابية، ذلك انهم كانوا يراهنون، في ضوء معلوماتهم وحساباتهم، على فوز فريق 8 آذار بالغالبية، وكانوا اكدوا لجهات اوروبية رسمية ان نظام الاسد يرفض ان تتكرر في لبنان تجربة "حماس" في الساحة الفلسطينية، وهو لذلك سيشجع حلفاءه، بعد انتصارهم، على تأليف حكومة وحدة وطنية مع الاقلية الجديدة لأن ذلك ضروري لتأمين الاستقرار في البلد وللحفاظ على المصالح السورية. لكن ما حصل خالف توقعات السوريين كلياً. لذلك فان المحك الاول للتغيير المطلوب دولياً وعربياً في استراتيجية التعامل السوري مع لبنان في المرحلة المقبلة هو ان يتقبل نظام الاسد تأليف حكومة وحدة وطنية او وفاق وطني تشارك فيها المعارضة ولكن من غير ان تحصل على الثلث المعطل فيها. والمطلوب، دولياً وعربياً، من نظام الاسد ان يمتنع عن تشجيع حلفائه على التمسك بالثلث المعطل لأن من شأن ذلك تفجير ازمة حكم في لبنان. ووفقاً لما قاله لنا ديبلوماسي اوروبي مطلع: "اذا ما أصر النظام السوري على حصول المعارضة المتحالفة معه على الثلث المعطل في أي حكومة جديدة، فهذا يعني انه يرفض التعامل مع الغالبية كغالبية ويريد الانتقاص من دورها وصلاحياتها، ويعني انه يرفض ان يتقبل الواقع الاستقلالي في لبنان وانه يريد تعويض حلفائه خسارتهم الانتخابات من طريق مساعدتهم على امتلاك صلاحية منع صدور اي قرارات عن الحكومة الجديدة لا تكون ملائمة لهم او لدمشق".
واضاف: "ان منح المعارضة الثلث المعطل في الحكومة كان تجربة موقتة ناتجة من احداث 7 ايار 2008 واتفاق الدوحة. ولكن اذا اصر السوريون، خلافاً لما يريده اللبنانيون في غالبيتهم، على حصول المعارضة على الثلث المعطل في اي حكومة جديدة، فان ذلك يشكل تعديلات للدستور من جانب سوريا وتدخلاً غير مقبول في الشؤون اللبنانية يتناقض مع تعهدات نظام الاسد للفرنسيين والاميركيين والسعوديين وغيرهم بالامتناع عن التدخل في الساحة اللبنانية وعن فرض مطالب دمشق على اللبنانيين".
خامساً – العلاقات الطبيعية الكاملة بين سوريا ولبنان تتطلب من نظام الاسد ان يتخذ قرارات سياسية كبيرة امتنع عن اتخاذها حتى الآن، ذلك انه اكتفى بالاعتراف الديبلوماسي بوجود لبنان دولة مستقلة وبتبادل السفراء معها. فالعلاقات الطبيعية الكاملة تتطلب من نظام الاسد ان يحترم سيادة لبنان وسلطته الشرعية، فيتوقف عن ارسال الاسلحة الى "حزب الله" وتنظيمات فلسطينية متحالفة معه، وان يدعم السوريون الجهود اللبنانية المبذولة لتبني استراتيجية دفاعية جديدة يوضع في اطارها سلاح "حزب الله" في تصرف الدولة. كذلك تتطلب ترسيم الحدود نهائياً بين سوريا ولبنان وتكريس لبنانية منطقة شبعا رسمياً وخطياً لتسهيل استعادتها مع ما تبقى من اراض محتلة بالوسائل الديبلوماسية، والتعاون مع السلطات اللبنانية لتطبيق قرار مجلس الامن الرقم 1701 او انهاء دور لبنان ساحة مواجهة مفتوحة مع اسرائيل ودول اخرى، وكشف مصير المفقودين اللبنانيين في سوريا والتعاون الكامل مع المحكمة الخاصة بلبنان المكلفة النظر في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وفي جرائم سياسية اخرى.
سادساً – من الضروري ان يقدم نظام الاسد على خطوة مهمة مكملة للاعتراف الديبلوماسي بوجود لبنان دولة مستقلة، وهي الموافقة على الغاء "معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق" الموقعة عام 1991 التي أدت الى انشاء وحدة أمر واقع بين لبنان وسوريا والى تشكيل مجلس اعلى مشترك يتخذ القرارات الاساسية المتعلقة بادارة شؤون البلدين. ولا يزال النظام السوري متمسكاً حتى اليوم بهذه المعاهدة وبالمجلس الاعلى، ومن الضروري ان يترافق الغاء المعاهدة مع قرار مشترك لبناني – سوري باعادة النظر في عدد كبير من الاتفاقات الموقعة بين البلدين خلال سني الهيمنة السورية على لبنان. وكما قاله لنا ديبلوماسي اوروبي معني مباشرة بالملف اللبناني: "ان اقامة علاقات طبيعية كاملة بين لبنان وسوريا عملية حساسة ودقيقة وطويلة، لكنها ضرورية واساسية لإنهاء حال العداء او الخصام بين البلدين ولفتح صفحة جديدة تاريخية في العلاقات بينهما تقوم على حسن الجوار وعلى التعاون الحقيقي بما يؤمن المصالح الحيوية المشروعة للبنانيين وللسوريين معاً. والمهم ان يتخذ نظام الاسد القرار الاساسي النهائي باعتماد استراتيجية جديدة في التعامل مع لبنان تقوم على الانفتاح الايجابي الكامل عليه وعلى تقبله فعلاً دولة مستقلة ذات سيادة، وهو ما يتطلّب منه التخلي نهائياً عن حلم او اوهام استعادته واعادة ربطه بسوريا".
لماذا خسر "حزب الله"؟
وفي هذا المجال اعد مركز ديبلوماسي مرتبط بوزارة خارجية دولة اوروبية تقريراً خاصاً عن نتائج الانتخابات النيابية وعن معانيها ودروسها الاساسية، ركز فيه خصوصاً على ان فشل فريق 8 آذار في الحصول على الغالبية النيابية يشكل، في الدرجة الاولى، هزيمة سياسية لـ"حزب الله" قائد المعارضة، وان الحزب يتحمل المسؤولية الكبرى عن تلك الهزيمة لأنه هو الذي اضعف نفسه على الصعيد الوطني واضعف حليفه العماد ميشال عون في الساحة المسيحية بسبب السياسات التي اعتمدها خلال السنوات الاربع الأخيرة.
واورد هذا التقرير الديبلوماسي الاوروبي المسائل والأمور الاساسية الآتية المتعلقة بـ"حزب الله" وبدوره في هزيمة فريق 8 آذار في الانتخابات:
اولاً – اثار "حزب الله"، بأعماله ومواقفه وتوجهاته وقراراته وتهديداته المستمرة، مخاوف اللبنانيين وقلقهم الشديد، ولم يشكل اي مصدر طمأنينة لهم ولمستقبلهم، وبدا واضحاً ان مشروع "حزب الله" لحكم البلد يتناقض جوهرياً وفي العمق مع ما يريده اللبنانيون في غالبيتهم العظمى وما يطمحون اليه، لأن هذا المشروع يهدف الى احداث تغييرات في الداخل وفي علاقات لبنان العربية والدولية تؤدي الى نسف موازين القوى والمعادلات القائمة في الساحة الداخلية لمصلحته ولمصلحة حلفائه والى تغيير تركيبة النظام الحالي وصيغة تقاسم السلطة بين المسلمين والمسيحيين، وفقاً لما نص عليها اتفاق الطائف وكرسها الدستور من أجل صيغة غامضة المضمون والمعالم تقود البلد الى المجهول. ويهدف مشروع "حزب الله" ايضاً الى توثيق الروابط والتحالفات مع سوريا وايران ومع القوى الفلسطينية المتشددة بما يشكل خطراً على روابط لبنان العربية والدولية الوثيقة وبما يؤدي الى تقليص الحماية الدولية والعربية للبنان المستقل السيد.
ثانياً – مشروع "حزب الله" ليس ديموقراطياً بل انه مشروع تسلطي لأن الحزب اعتمد خلال السنوات الاربع الأخيرة لغة التهديد والوعيد والتحدي والترهيب والتعطيل واستخدم السلاح والقوة العنف في الصراع السياسي الداخلي من أجل محاولة فرض مطالبه على القوى الاستقلالية وعلى غالبية اللبنانيين. وهذا المشروع التسلطي يتناقض مع تقاليد اللبنانيين وثقافتهم ومع تركيبتهم الاجتماعية والطائفية ومع تعدديتهم، مما يعني انه يهدد النظام الديموقراطي والسلم الاهلي وصيغة العيش المشترك في حال امتلاك "حزب الله" القدرة والصلاحية الدستورية لتطبيقه.
ثالثاً – بدا واضحاً للبنانيين، خلال مرحلة الخيار، ان مشروع الاستقلاليين الذين يمثلهم فريق 14 آذار وحلفاؤه هو "مشروع سلمي" يتلاءم تماماً مع طموحات اللبنانيين وتطلعاتهم لأنه يهدف الى تأمين حماية داخلية وخارجية واسعة للبنان بما يسمح بتعزيز الدولة ومؤسساتها الشرعية وبتحقيق الامن والاستقرار وبتحسين الاوضاع الاقتصادية والمعيشية وتطوير النظام السياسي اللبناني من طريق الحوار والتفاهمات المتبادلة وهو ما يؤمن المصالح الحيوية لابناء هذا البلد. اما مشروع "حزب الله"، فهو "مشروع حرب" في الداخل والخارج وكأن لبنان ليس دولة تحتاج الى الأمن والاستقرار والسلام والازدهار، بل ساحة صدام مستمر. ذلك ان مشروع "حزب الله" يهدف، فعلاً، الى تحويل لبنان مجتمع مقاومة وساحة مواجهة مفتوحة مع اسرائيل وقاعدة انطلاق لنشاطات وعمليات ضد دول عربية داعمة للاستقلال اللبناني، كما يهدف الى نزع صفة الاعتدال عن هذا البلد وعن خياراته وتوجهاته من خلال العمل على ربطه بالمحور الايراني – السوري المتشدد، مما يلحق اضراراً بالغة بالمصالح الحيوية للبنانيين. وهذا ما ادركه اللبنانيون في غالبيتهم الواسعة وأكدوه في انتخابات السابع من حزيران.
واكد التقرير الاوروبي "ان من مصلحة حزب الله ان يجري عملية نقد ذاتي حقيقية وان يعيد النظر في الكثير من قراراته وتوجهاته وان يتفهم الواقع اللبناني، لا ان يحاول ان يفرض على اللبنانيين خيارات ومطالب تتناقض مع طموحاتهم وآمالهم".