الدور السعودي باتجاه دمشق لتأمين مظلّة آمنة للبنان.. و"التجاوب" السوري لا "يتفوّق" على الاختيار الشعبي
سعد الحريري رئيس للحكومة "بسبب" انتصار 7 حزيران
لم يعُد سراً أن "تفاهماً" سعودياً – سورياً سبق الانتخابات النيابية الأخيرة في 7 حزيران الماضي، وقد جرى الاتفاق بين الرياض ودمشق على أن "يمتدّ" هذا "التفاهم" الى ما بعد الانتخابات.
"التفاهم" السعودي ـ السوري قبل 7 حزيران وبعده
ومن الواضح من خلال المسار الانتخابي ثم من مجريات الأيام الماضية، لا سيما التي تلت تكليف زعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري بتشكيل الحكومة الجديدة، أن "التفاهم" السعودي – السوري قضى بأن تمتنع دمشق عن "التدخل" – الفظّ خصوصاً – في الانتخابات وعن تعطيلها "حتى" 7 حزيران، وبأن تمتنع عن التعقيد والتعطيل بعد 7 حزيران خاصة إذا فازت 14 آذار بالغالبية النيابية مجدداً. وبهذا المعنى، يبدو أن "التفاهم" يقضي بأن "تُعطي" دمشق إيجابية عدم التعطيل، على أن "تعطي" الرياض دعمها لقيام "حكومة وحدة وطنية" بعد الانتخابات.
لقد قيل الكثير وكتب الكثير في وقت سابق عن معاني "الالتزام" السوري بعدم التعطيل والتفجير في لبنان، وهو "الالتزام" الذي تعهّدت العاصمة السورية به ليس فقط للمملكة العربية السعودية إنما أيضاً لجهات رئيسية عدة في المجتمع الدولي. والمعنى الأبرز لذلك "الالتزام" أنه عنوان لسياسة سورية في هذه المرحلة تحاول الإيحاء بتغيّر في السلوك وباستجابة عدد من الشروط بهدف استعادة "دور ما" في الإقليم.. وفي انتظار تبلور مآل عدد من المسارات الاقليمية المفتوحة.
المملكة.. والمظلة الحامية
المهم في هذا المجال أن الدور السعودي باتجاه سوريا ينطوي على نسبة عالية من الإيجابية. فليس ثمة شك في أن جانباً رئيسياً من تلك الإيجابية يتمثّل في السعي الى إستعادة سوريا الى النظام العربي وإستراتيجيته في سياق المسار الذي أطلقته قيادة المملكة من أجل "إعادة إعمار" النظام العربي. وكذلك ليس ثمة شك في أن الجانب الرئيسي الآخر من الإيجابية هو تشكيل نوع من المظلة الحامية للبنان استقراراً ومساراً سياسياً.
إنتصار 7 حزيران
عند هذا الحدّ، ينبغي التذكير بـ"حقائق" أساسية من جهة والتنبيه من قلبها من جهة أخرى.
ففي مجال "الحقائق"، ثمة حقيقتان "ساطعتان".
الأولى، أن سعد رفيق الحريري هو اليوم الرئيس المكلّف بتشكيل الحكومة كنتيجة "طبيعية" لانتصار 14 آذار في 7 حزيران الماضي، أي أنه رئيس الحكومة بإسم هذا الانتصار وبـ"فضله"، وليس بـ"فضل" أحد أو شيء آخر.
.. إنتصارٌ عربي
أما الثانية فهي أن إنتصار 14 آذار في 7 حزيران ومجيء سعد الحريري الى رئاسة الحكومة، هما عنوان سياسي كبير لعملية إحباط نقل لبنان الى موقع آخر يتناقض وميثاقه ودستوره وهويّته. أي أن لبنان قدّم نفسه، باقتراع شعبي ديموقراطي في 7 حزيران، على أنه موقع متقدّم في النظام العربي وحامٍ لهذا النظام ومعادلاته في آن. للبنان إذاً، بخيار شعبه، حقّ على النظام العربي و"فضل" عليه، تماماً كما للنظام العربي الحق في أن يعتبر إنتصار 7 حزيران إنتصاراً له. وذلك على الأقل من زاوية "الوعد" الذي كان الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد قد أطلقه بتغيير "وجه المنطقة" في حال فوز حلفائه في 8 آذار.
"الإيجابية" السورية ليست أهم من الانتصار!
تأسيساً على الحقيقتَين الرئيسيتَين السالفتَين، ثمة أمورٌ يقتضي وضعها في نصابها الحقيقي.
لا شك أن وفاء دمشق بتعهدها عدم التعطيل، هو معطى إيجابي ينبغي تسجيله. بيد أنه لا يصحّ اعتبار الإيجابية السورية موازيةً لانتصار 14 آذار في 7 حزيران أو أهم منه. لا يصحّ أبداً تلخيص 7 حزيران بأنه اليوم الذي أبدت فيه سوريا إيجابية وليس اليوم الذي قال فيه الشعب اللبناني كلمته، فتمّ تظهير الموازين وانتصرت 14 آذار في تحقيق أكثرية نيابية كاد "الفريق الآخر" أن يقنع كثيرين بأنها كانت أكثرية "مسروقة" في السنوات الماضية.
ولا شك أن إبداء دمشق إستعدادها للتعاون مع المملكة العربية السعودية لتكريس إنفراج في لبنان هو أيضاً معطى إيجابي لا بد من تسجيله. غير أن سعد الحريري هو اليوم رئيس مكلف تشكيل الحكومة بـ"رافعة" 7 حزيران من ناحية وفي إطار مسار ديموقراطي دستوري من ناحية ثانية.
.. وليست ممراً إلى دور مرجعي متجدد!
ولا شك أيضاً ان الايجابية السورية المتمثلة في عدم التعطيل والتفجير، لا تعطي دمشق الحق في أن تحاول إعادة فرض نفسها "مرجعية" للوضع اللبناني أو في أن تحاول التسلل إلى دور مرجعي ما في لبنان تحت أي مسمى كان.. أو أن تأخذ في وقت من الأوقات شرعية الإقدام على مشكلة في لبنان إن لم يثبّت لها دور مرجعيّ معيّن.
ولا شك أخيراً أن على البعض هنا في لبنان أن يدرك حقيقة أن المضمون الفعلي والعميق للحركة السعودية باتجاه سوريا في ما يخص لبنان، إنما هو تأمين مظلة آمنة فوق البلد، وليس أبداً التفاهم "على" لبنان أو تركيب معادلات معيّنة فيه.
التأليف.. ووقته
بإختصار، إن اعادة الاعتبار لهذه الحقائق مجتمعة، لا تهدف فقط إلى القول إن الرئيس سعد الحريري هو الآن في موقعه بنتيجة إختيار شعبي، بل إلى القول ايضاً إنه، وقد بات في هذا الموقع بالتحديد، أي رئيساً لحكومة لبنان، يدرك تماماً انه إذ ينطلق من قناعات ومبادئ حقق إنتصار 7 حزيران على أساسها، إنما يواجه في الوقت نفسه تحديات كبرى سيتعامل معها جامعاً بين "المبدئية" من ناحية والانفتاح على كل إيجابية من ناحية ثانية والمضي في المشروع اللبناني ـ العربي الذي خاض الانتخابات على أساسه ويرى فيه مستقبل لبنان من ناحية ثالثة.
من هنا، فان الوقت الذي ستستغرقه عملية تأليف الحكومة، يتوقف بالدرجة الأولى على تسليم الجميع بالحقائق المشار اليها آنفاً في مقابل الانفتاح الذي يبديه الرئيس الحريري. فإن طال أمد إستيعاب الجميع للحقائق، تأخر التأليف، وإن كان الأمد قصيراً صار التأليف أسرع. و"مسؤولية" سوريا أن تعي أن لا عودة إلى أزمنة غابرة.