وقائع ومؤشرات لمصالحات وفتح صفحة جديدة في العلاقات العربية
لبنان يتأثر إيجاباً والخشية من تحركات سلبية للمتضررين
وهل يستفيد لبنان من صفحة المصالحات العربية – العربية التي تبدو وشيكة وما هو تأثيرها على الواقع اللبناني في المرحلة المقبلة؟
تشير وقائع ومؤشرات الحركة السياسية والدبلوماسية العربية على أرفع المستويات وتواصل انعقاد القمم السعودية – المصرية بسرعة، مع وجود مؤشرات واضحة، لتشمل هذه القمم سوريا في الأيام المقبلة، الى توجه عربي جديد، لطي صفحة الخلافات الماضية، وبدء مرحلة جديدة في العلاقات العربية – العربية تأخذ بعين الاعتبار المصالح العربية – العربية وتقدمها على سائر ما عداها من مصالح إقليمية ودولية، كانت في المرحلة الماضية تطغى على المصالح العربية عموماً.
وترتكز المرحلة الجديدة على درس الأسباب التي أدت الى فتور وتردي العلاقات العربية – العربية في غضون السنوات الماضية، والانكباب على حل المشاكل العديدة التي ترتبت عنها وأدت الى ضرر كبير لحق بالعالم العربي من جرائها، واتخاذ الاجراءات اللازمة والاحتياطات المطلوبة، لمنع تكرار ما حصل في المرحلة المقبلة، وقطع الطريق على أي دولة أو جهة تحاول من جديد الدخول على خط العلاقات العربية لزعزعتها ومنع اكتمال المصالحات العربية – العربية المنوي أجراءها بين سائر الدول العربية في وقت لاحق.
ولعل أبلغ مثال على الضرر الذي لحق بالعالم العربي، ماثل في قضية العرب الاساسية، قضية الصراع العربي – الاسرائيلي والقضية الفلسطينية خصوصاً، بعدما ادت الصراعات والخلافات العربية – العربية الى تسهيل نفاذ التدخل من الخارج في هذه القضية، لا سيما التدخل الايراني الذي ادى الى انقسام الشعب الفلسطيني واضعاف مقاومته للاحتلال الاسرائيلي من جهة والى تذرع اسرائيل بهذا التدخل للتهرب من احلال السلام مع الفلسطينيين والعرب عموماً.
وهناك ايضاً ما حصل للعراق من جراء الاحتلال الاميركي لهذا البلد العربي الكبير، وانقضاض ايران تحت مظلة الاحتلال الاميركي، لبسط سيطرتها التاريخية ومد نفوذها في انحاء عديدة من هذا البلد، مما احدث انقسامات حادة على اسس طائفية ومذهبية، ذهب ضحيتها مئات الآلاف من ابنائه، وما يزال العراقيون يرزحون تحت هذا التدخل وتأثيراته السلبية على وحدة العراق ومستقبله.
اذ لا يمكن طي صفحة الخلافات العربية العربية وارساء علاقات عربية عربية سليمة، بمعزل عن دراسة الاسباب والدوافع التي ادت إلى تدهور هذه العلاقات نحو الأسوأ، وضرورة العمل الجاد لمنع حصول هذه الاسباب من جديد.
إذ ان تجنب الخوض في المسببات الحقيقية، او التعايش معها في المرحلة المقبلة، انطلاقاً من محاولة بعض الدول العربية الايفاء بوعودها والتزاماتها كما كان يحصل باستمرار، وللمحافظة على علاقاتها مع الدول المسببة لهذه المشاكل كإيران مثلاً، سيؤدي الى تهدئة مؤقتة وليس الى مصالحة حقيقية ودائمة بين الدول العربية، لان الخلاف سينفجر من جديد وستعود العلاقات الى التردي كما حصل في السنوات الماضية.
ولذلك، فإن المحك الحقيقي للمصالحات، ينطلق من معالجة الاسباب والايفاء بالتعهدات والالتزامات المقطوعة من كل الدول العربية من دون استثناء، والاخذ بعين الاعتبار الضرر اللاحق بالعرب عموماً من جراء ما حصل في السنوات العشرين الماضية، وما يمكن فعله لتجاوز ما حصل بالفعل وليس بالقول، والمواقف المشحونة بالعواطف المزيفة والكاذبة على حدّ سواء. ولا شك ان التبدلات الإقليمية والدولية تشكل عاملاً مساعداً للعرب لفتح صفحة جديدة في العلاقات فيما بينهم والتوحد في موقف متماسك لمواجهة التحديات الماثلة امامهم، خصوصاً بعدما فتح الرئيس الاميركي خلال زيارته الأخيرة للمنطقة نافذة كبيرة، لتحريك عملية السلام في الشرق الأوسط من جمودها، انطلاقاً من قيام دولتين، دولة فلسطينية ودولة إسرائيل، والتعاطي بايجابية من خلال هذا الموقف الموحد، الذي سيفرض نفسه عامل قوة، لا بد أن يشكل دفعاً ايجابياً لمصلحة القضية الفلسطينية في مواجهة المخططات الإسرائيلية الهادفة إلى التهرب من تحقيق السلام في الشرق الاوسط.
ويبقى السؤال: هل يستفيد لبنان من صفحة المصالحات العربية – العربية التي تبدو وشيكة، وما هو تأثيرها على الواقع اللبناني في المرحلة المقبلة؟.
لا شك أن لبنان سيتأثر إيجاباً بالمصالحات العربية – العربية، إستناداً إلى التجارب والوقائع السابقة، ولكن هناك نفوذ غير عربي داخل لبنان حالياً، ولا بد وأن تثيره هذه المصالحات، لأنها لا تصب في مصلحته وإستمراريته، وقد يتحرك لإظهار قدرته على التأثير السلبي، من حيث يخشى البعض أن تأتي نتائج هذه المصالحات العربية بغير توقعاتها، وخصوصاً لجهة إعطاء الضوء الأخضر لهيمنة سورية من نوع آخر هذه المرة.