حكومة أم ليمونة للعصر ؟!
الرصيد الشعبي والسياسي الكبير الذي أعطته الانتخابات النيابية الى تكتل 14 آذار، والذي زاد من مروحة التمثيل العام لدى القيادات في الاكثرية، يشكّل عمليا "وديعة لأجل" كما يقال مصرفياً. أي لمدة أربع سنوات، يفترض ان تترجم جزءا كبيرا من الشعارات الوطنية التي طرحتها قوى الاكثرية.
ونركز هنا على كلمة وطنية لأننا نقر عملياً بأن بعض الشعارات الاخرى سلك طريقاً عصابيا في مواجهة شعارات المعارضة العصابية ايضا، أي الشعبوية المذهبية.
ماذا يعني هذا الكلام البسيط؟
إنه يعني صراحة ان عملية تشكيل الحكومة العتيدة يفترض ألا تصرف هذه الوديعة او ان تتصرف بها إرضاء للمعارضة ولمن يقف وراءها وخصوصا الآن، بعدما صار ظاهرا علنا ان البورصة السياسية السورية فتحت ردهة خاصة للمبادلات في مسألة تشكيل الحكومة العتيدة.
❒❒❒
واضح تماما أن التحرك السعودي في اتجاه سوريا انما يأتي استكمالا لسياسة الانفتاح وفتح صفحة جديدة في العلاقات بين الرياض ودمشق، وذلك في سياق قرار خادم الحرمين الشريفين اعادة ترتيب شؤون البيت العربي، في مواجهة تحولات كبيرة وحاسمة اقليميا ودوليا، تبدأ بوصول حكومة التطرف والعدوان الى السلطة في تل ابيب، وتنتهي بالتطورات الدراماتيكية التي حصلت في طهران، مرورا طبعا ببروز سياسة أميركية جديدة في المنطقة مع وصول باراك أوباما.
ويحتل الملف اللبناني حيزاً أساسيا في الترتيبات السعودية – السورية وحتى المصرية، وكذلك الوضع بالنسبة الى الملف الفلسطيني، ولكن هذا لا يعني في أي حال من الاحوال أن تشكيل حكومة جديدة في لبنان، على يد زعيم الاكثرية الرئيس المكلف سعد الحريري، يفترض أن يتحول بورصة خاضعة لدفتر الشروط السورية التي تبدو قاهرة في بعض مطالبتها، اذا صحت الانباء التي نشرت في هذا السياق والتي تأخذ شكل دفع سعد الحريري والاكثرية النيابية الى الاذعان في مقابل اقناع تكتل المعارضة بدخول الحكومة العتيدة !
❒❒❒
ليس هناك اطلاقا من لا يريد مخلصاً قيام افضل العلاقات الاخوية على قاعدة التعاون والندية بين سوريا ولبنان، وهذا أمر يشمل سعد الحريري الذي يعرف تماما كيف يفصل بين الشخصي الخاص والوطني العام.
ففي مسألة الحقيقة واغتيال والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري، كرر دائما انه لا يريد الانسياق في الاتهامات جزافاً، وأن الامر متروك للمحكمة الدولية.
أما في مسألة رئاسة الحكومة، فقد أوحى دائما أنه يعرف تماما أن هذا الموقع من الطبيعي ان يجعله على اتصال مع سوريا، وأنه لا يمكن رئيس حكومة لبنان ان يقاطع سوريا ولا يكون على علاقة تفاعلية معها.
لكن ترجمة هذه المعادلة لا تعني اطلاقا أن تتحول سوريا "عصّارة حامض" تعصر الحريري والاكثرية وتطالب بعودة الامور والاقتناعات والمشاعر الى ما كانت عليه قبل عام 2004، مع فارق بسيط هو أن الجيش السوري انسحب من لبنان.
في كلام أوضح، لا يستطيع الكثيرون من تكتل 14 آذار ان يتصوروا سعد الحريري يعبر المصنع الى دمشق قبل ان يشكل حكومة تنال الثقة وتضع بياناً وزاريا متفقا عليه يمكّنها من الحكم والانجاز.
مفهوم أن يزور سعد الحريري دمشق رئيسا لحكومة لبنانية ناجزة ومشكلة، ولكن ليس مفهوما لدى الذين انتخبوا الأكثرية، على الاقل، ان يزور دمشق لتساعده او تسهل له تشكيل الحكومة، وإلا ما معنى حكومة تخرج من رحم السياسة السورية وشروطها حتى ولو أشرفت عليها القابلة السعودية السياسية ؟
❒❒❒
إن حكومة من هذا النوع لن تستطيع ان تحكم قط، وستحتاج دائما الى الختم السوري والمصادقة السعودية على كل شاردة وواردة، ولا نعتقد أن الذين أعطوا وكالة عامة لتحالف 14 آذار يريدون ذلك او يستطيعون قبول ذلك. ومثل هذا الامر واضح بالتأكيد عند سعد الحريري، ويجب أن يكون واضحا كذلك عند السعودية، وأوضح عند سوريا، اذا كان يراد للبنان أن يحكم نفسه، واذا كانت دمشق تريد علاقات أخوية ندية مع لبنان !
كانت الانتخابات "وديعة لأجل" وهي فعلا غير قابلة للصرف وفق قواعد تتناقض مع جوهر الارادة الشعبية في لبنان، وإلا فإن الانتصار الانتخابي سيتحول سريعا هزيمة حكومية، لن تلبث ان تصير بعد 4 سنوات شر الهزائم الانتخابية سنة 2013.
❒❒❒
لا أكثر ولا أقل.
هذا أمر واضح عند سعد الحريري ويجب أن يكون واضحا عند السعوديين، أما السوريون فلا يضيرهم اذا عادت الديمة اللبنانية تمطر عندهم.
واذا كانت الاكثرية قد وقعت دائما في عقدة الضعف القاتلة عندما أصرت على التصرف بمنطق أم الصبي، فالمعارضة يفترض ان تكون هي ايضا أم هذا الصبي اللبناني، ولكي تكون هكذا يجب على الاكثرية أن تتصرف كأكثرية.
كيف؟
اذا كانت المعارضة ستعرقل تشكيل الحكومة، فما المانع من استمرار حكومة تصريف الاعمال الى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا؟ ثم ما هو الفارق بين حكومة كهذه وحكومة جديدة يتم عصرها سلفاً في دمشق مثل ليمونة حامض؟