حكومة لبنان أولاً
أشاد الناس والمؤسسات والمراجع في الداخل والخارج بنزاهة الانتخابات النيابية وبديموقراطيتها وسلميتها؛ عال! حتى المعارضة سلَّمتْ بنتائجها التي أسفرت عن فوز 14 آذار بفارق 15 نائباً (71 للسياديين و57 لـ 8 آذار). كل هذا لا بدَّ من أن "يستسقي" التفاؤل، ويبشر بالخير وكأنّ "عصراً جديداً" قد دُشِّن ويشارك فيه الجميع من الخاسرين والرابحين، وهو عصر الاعتراف بإرادة الناس، واحترام المؤسسات وتنكّب الحلول الديموقراطية في صناديق الاقتراع، (كشكل من أشكال الحوار)، بدلاً من الحلول العنيفة في الشوارع: فالديموقراطية لا تستقيم بالعنف. ولا يمكن ادراكها بالقوة. والدليل ان معظم الانقلابات العسكرية العربية والتي تمت تحت "جنح الظلام" لم تؤدِ إلى بناء نظام ديموقراطي.
فالانقلاب نقيض الاختيار الشعبي، حليف الاختيار العسفي. عال! قلنا (هل قلنا عال!!) واخيراً انضم الجميع إلى لغة البلد الجميل وميراثه ونكهته ومذاقه وتميزه. وكأننا نقول إنه لو اعتمدت "الديموقراطية" في حكم الأنظمة العربية قبل أكثر من نصف قرن، لما عرفنا كل هذه الهزائم وأشكال التخلف والجهل والقمع والفقر والهجرات والتهجير والنفي.. بل كدنا نقول بم تتميز عنا الدول المزدهرة، الحرة في العالم، صاحبة الانجازات العلمية والثقافية والابداعية والتقنية بغير هذه الديموقراطية: بل كدنا نصرخ "اعطونا ديموقراطية وإن نسبية في هذا العالم العربي، لنشارك في صناعة التاريخ والعالم".لكن هذا بقي بعيداً: الدكتاتوريات المتخلفة التي رَيفّتْ المدن، واستلبت العقول وامتصت الأفكار وعطلّت الخروج من منطق قبول الواقع.. سقط بعضها في بعضها، وطلع ما يشبهها وبقي بعضها منتمياً إلى العالم القديم المتمثل بالأنظمة التوتاليتارية الشمولية، البوليسية، والقاتلة (من النظام الستاليني إلى النازي فإلى الفاشي، فإلى الصهيوني.. فإلى الأصوليات المتعددة "الدين" والعنصرية من مسيحية ويهودية واسلامية!).
إذاَ، قلنا عال! اظهرت الانتخابات النزيهة باعتراف "الكل" اننا بلد لا بأس بديموقراطيته. هذا بعد اعلان النتائج! وهل نفس النبرات "العسل"، التي غمرت الناس بالمن والسلوى من قِبل المعارضة وكذلك من غيرها… وصولاً إلى دول وأنظمة خارجية حتى التي لم يتذوق ناسها طعم الديموقراطية!
ولكن، لم يدم "استبشارنا" طويلاً: استبشارٌ من "حلم ليلة صيف". أو من أضغاث حلم لنعود مثلما تعود "حليمة إلى عادتها القديمة" إلى اللغة الأخرى. والنبرة الأخرى: من مد الأيدي والاعتراف بالنتائج ومديح البعض للبعض إلى ما يشبه فصل نتائج الانتخابات عن تأليف الحكومة التي كُلف الشيخ سعد الحريري تأليفها بـ 86 صوتاً من البرلمان. وكم بدا ذلك الكلام القديم قبيل التكليف حُلوا وسكراً، ليتحول بعده لغطاً وتشارطاً وأحاديث وربطاً وعقداً، وصولاً إلى العنف في عائشة بكار وكأنما تذكير بـ 7 أيار المجيد: عنف وتدمير ممتلكات وأسلحة ومخوخ مقنعة وجرحى وقتيلة هي أم لـ خمسة أطفال! برافو! وكأنما يحاولون الضغط على الرئيس المكلف بالألسن وبالسلاح. بالتصريحات والعنف. بل كأنما يريدون ان تكون الأكثرية الحقيقية لا هي شعبية ولا هي انتخابية: بل في مفاعيل الشارع وارتداداته و"تصويب" توجهاته كأداة على هامش الديموقراطية!
من الطبيعي ان يكون ثمة أخذ ورد في التأليف والتوزير والشروط وتحسينها. ومن الطبيعي ان تحاول الأطراف كلها "المناورة" و"المداورة" والمجاهرة لنيل حصص أكبر. هذا عرفناه وخبرناه على امتداد تاريخ لبنان وتاريخ الآخرين. فالسياسة فن التسوية. وفن الممكن كما هي فن "الاجتراح".
ومن الطبيعي ان يستوعب الرئيس المكلف سعد الحريري كل هذا المطالبات الحزبية والطائفية والسياسية وحتى المناطقية وصولاً إلى بعض الارادات الخارجية ذات الامتدادات في الداخل. فمعروف ان اللعبة عندنا وخصوصاً في العقود الأربعة الماضية أقرب إلى لعبة تتوازن فيها العناصر الداخلية والخارجية.
هذا مفهوم! ومفهوم اكثر اذا تمّ في الكواليس وضمن الأطر السياسية. فتركيبة لبنان لا تحسم في أي اتجاه. ولكن ما هو غريب ان تعتمد اللعبة التي تضع تداعيات الديموقراطية المباشرة خارج اللعبة. وكأن شيئاً لم يكن: لا انتخابات ولا فوز اكثرية ولا وجود أقلية: قالوا تُمزَج الأوراق في صيغة حكومة وحدة وطنية. عال! فلنمزجْها ونخلطْها. ولا بأس بحكومة وحدة وطنية: فهي مراد الجميع من اللبنانيين الذين تعبوا من المعارك الدونكيشوتية ولبنان الساحة ولبنان الرسائل الموجهة بين الخارج والخارج بارادات الداخل، ولبنان الاداة والمنصة والمعبر والممر والترانزيت.
تعبوا! وقالوا: عال! فلتُخلط الأوراق لتصير ورقة الوحدة الوطنية ولو على أساس المحاصصة والتوازن بين الشروط. ولكن من قال إن خلط الأوراق يطمس حقيقة ان الأكثرية الراهنة هي التي فازت في الاستحقاق النيابي وليس الأقلية. بل وقالوا: ومتى تكون الأقلية فائزة! بل أكثر: ومتى تكون الأقلية اكثرية وتالياً الأكثرية أقلية! بمعنى ان اكثرية اللبنانيين هي التي انجبت الأكثرية اللبنانية.
مع هذا قبلت هذه الأكثرية عبر ممثليها ان تكون الديموقراطية ونتائجها الميدانية "توافقية". نعم! عال! توافقية. لأن الأكثرية بحسب بعضهم لا تحكم إلاّ بالتعاضد والتناكب مع الأقلية: فلنتوافق على ديموقراطية توافقية (تختلف فيها الأكثرية البرلمانية عن الأكثرية الشعبية: رائع!). وهذا التفسير الذي يتجاوز "الاجتهاد العددي والتعددي أو السياسي إلى تثبيت نفسه "كحقيقة" ميدانية تاريخية وإن نادرة في التواريخ والمعاجم والقواميس وحتى الأزجال لا بد انه يسعى إلى ما يسعى إليه: الثلث المعطل، الذي يسمونه الضمان المعطل. وبصيغة قول أخرى "المشاركة" أو بصيغة قول أخرى: التوافقية تعني انتصار الأقلية على الأكثرية بشروط تستحضر ما بعد مؤتمر الدوحة. أكثر: بشروط تُعلِي الدوحة على الطائف. اكثر : بشروط تجاهل ما لا يمكن تجاهله في الأعراف والمواثيق: اضافة التهديد بالعنف إلى "المفاوضات" في تأليف الحكومة (نتذكر أحداث عائشة بكار والحملة المركزة من مدّبريها على رئيس الحكومة المكلف وهي حملة عنيفة لم نعرفها قبيل انتخابات رئاسة المجلس النيابي). اذاً: الثلث المعطل يمكن التباحث بشأنه: ان يكون في يد الرئيس سليمان من خلال حصته المعهودة. لكن حتى هذا الحل بدا مرهوناً بأمور أخرى افصح عن بعضها جنرال الرابية: ادراج هذا البند كشرط في الدستور أي تعديل الدستور، وكأن لا اميل لحود كان له "حصته" ولا الياس الهراوي ولا انسحاباً كميل شمعون وفؤاد شهاب والياس سركيس! فكأن المسألة بدأت اليوم مع الرئيس سليمان وتحتاج إلى الاعتراف بها ادراجها ضمن الدستور! عال! لكن نكتشف ان هذا الشرط يخفي شروطاً اخرى عال! من حق الجميع ان تكون لهم مطالبهم. ولكن من هذه الشروط التي هي خارج الهموم الاقتصادية والأمنية والسياسية والانمائية هي التي تتعلق بالمتطلبات الاقليمية: أي استدراج الأكثرية وممثليها للتنازل أولاً عن نتائج الانتخابات وثانياً فرض ما يشبه التراجع عن بنود استقلالية وسيادية فيما يخص علاقتها ببعض المراجع الاقليمية.
اذاً: تفريغ 14 آذار من كل مضمون ومن كل سعي. وتسفيه حلمها الربيعي. وكأن شعار "حكومة الدولة اللبنانية الوطنية" يقض المضاجع ويُسهّد المحاجرَ والعيونَ والأفكار!
بل كأن لسان حال البعض ينطق: لا وجود للدولة اللبنانية إلاّ بغيابها! رائع! لا وجود للسيادة إلاّ بنقضها؛ عال! لا وجود للاستقلال إلاّ بنفيه. عال! لا وجود للديموقراطية إلاّ بنسفها. عال! لا وجود للجيش والقوى الأمنية إلاّ بتهميشها! رائع! لا وجود للحياة السياسية إلاّ بربطها بثوابت الماضي، وبجلاميد المراجع الخارجية. عال! ولا وجود للأكثرية إلاّ اذا اعترفت بأنها اقلية! ولا وجود للأكثرية إلاّ اذا اعترفت بأنها اقلية! ولا وجود للسلطة إلاّ اذا كانت "سلطات" عدة. لا لوجود وحدة الأرض إلاّ بهيمنة "وحدات" خاصة ولا وجود للاقتصاد إلاّ اذا ارتبط بشروط الأمن والتراجعات. اذا لا شيء موجوداً إلاّ بنقيضه! ولا نظن ان هذه تسمى "جدلية" تاريخية ولا مادية ولا ميتافيزيقية ولا حتى سياسية. بل نفي للجدال، أو المحاورة و"محصلة" التوافق وانتصار التنافر.
… وتجاوزاً لكل ذلك، وتعاطياً مع واقع التعقيدات وردود الفعل، و"الاستراتيجيات" الغامضة والنيات والكواليس، نتوقف عند واقع ان هناك مكلفاً شرعياً بتأليف الحكومة هو سعد الحريري وان هناك تناقضات عند الجميع، وإلزامات عند الجميع، (أقصد 8 و14 آذار) وان هناك مطامح ومطالب عند الجميع، وان هناك محاولة استيلاد شروط وشروط مضادة عند الجميع وهذا من طبيعة الأمور اذا بقيت الأمور انعكاساً لطبيعة الحياة السياسية التعددية. وهذا من حيويات لبنان التعددي. ولكن ان تؤخذ التعددية إلى "احاديات" مفرزة مقسمة ومشرذمة ومعطلة فعندها لا تعددية ولا حتى أحادية بمعناها الفكري.
كل ذلك يجعل من مهمة الرئيس المكلف الحريري، المعروف بصبره وتجلده وتفهمه للحلفاء وغير الحلفاء، مهمة وعرة. لا لأن ثمة ما يوحي رفعاً لسقوف واطئة، بل الغاء لكل السقوف واسترسالاً في كل الوسائل المتاحة وغير المتاحة.
ونظن، وكما سبق ان قلنا وكتبنا ان الرئيس المكلف يواجه ما لم يواجهه ربما أي رئيس مكلف، باعتبار ان العقود الأربعة السابقة كانت محكومة "بحتميات"… الوصايات في ظل تبدد "الحياة السياسية" وتبعثر الديوقراطية واستمساك السيادة. كانت الأمور اسهل لأن القرارات كانت وصائية بالتعيين والودائع والتكليف والأسماء.. ولم يكن عندها لا "هم" حكومة توفيقية، ولا هم "وحدة وطنية" ولا هم دور للبنان ولا هم للاستقلال. اليوم، تعود الديموقراطية والسيادة والهموم الانمائية والدولة العادلة.. والحكومة الممثلة لنتائج الانتخابات كافة، والثلث المعطل (هل سمع أحدٌ بالثلث المعطل او الضامن ايام الوصايات. فيا للشجاعة اليوم!)، والأهم ارادة الناس أو أكثرية الناس التي تحملت ما تحملت في السنوات الأربع الماضية وحمت بكل ما أوتيت انجازات ثورة الاستقلال بحضورها الديموقراطي الذي عززته في الانتخابات.
وعلى هذا الأساس يحاول الرئيس المكلف سعد الحريري تعطيل ما من شأنه التعطيل في "المستقبل" وتفكيك الأفخاخ واستيعاب المناورات واحتواء اللجوء إلى العنف. والتوفيق بين متطلبات الفرقاء أو الأكثرية والأقلية بأقل الأثمان الممكنة، وكذلك معالجة بعض الشروط الاقليمية، إن بدت صعبة حتى درجة التعجيز، إما للاحراج أو للاستدراج او للطمس أو للتنازلات في ملفات عسيرة، لم يعد يملك حلّها احدٌ في لبنان كالمحكمة الدولية أو حتى في القرار 1701 وصولاً إلى اتفاق الدوحة وانسحاباً إلى الطائف ومجيئاً إلى محاولة اضافة اتفاق اقليمي آخر باسم آخر، يمكن ان يفضي إلى اضعاف الاتفاقين السابقين أو تمويههما أو تعديلهما أو ادراجهما في ملفات الغبار.
عقبات في وجه الرئيس المكلف؟ نعم! إعلان سقوط؟ نعم! احراج؟ نعم! ضغط مادي ومعنوي؟ نعم! مطالب متشابكة! نعم! شهوات متأججة عند بعضهم للتوزير؟ نعم! مخاوف على انجازات ثورة الأرز؟ نعم! وساوس من سياسةِ تعطيل جديدة فذرائع جديدة؟ نعم! كل هذا يشكل صعوبات ظاهرة ومخفية، سافرة ومستبطنة؛ لكن نظن ان الرئيس المكلف سيتمكن من النهاية في حلّ العقد، وتمليس الزوايا.. وتخفيف التناقضات في حكومة "وفاق" أو "توفيق" أو "وحدة" أو "توحيد" … نتمنى بعد تأليفها ان تكون حكومة واحدة منسجمة انسجاماً مع بيان يأخذ بالاعتبار الواقع واختلافاته وخلافاته ومحظوراته ولكن ايضاً هموم الناس الاقتصادية والحياتية والأمنية والسلامة واحترام القوانين والدساتير.
بمعنى آخر نتمنى ان تكون العتيدة حكومة واحدة تضم من تضم من الأكثرية والأقلية، لا أن تكون عدة حكومات او على الأقل حكومتين: واحدة ضمن مجلس الوزراء وأخرى في الشارع… تماماً كما حدث عندنا على امتداد السنوات الأربع!
مع هذا، لا بد من ان نتمنى للرئيس المكلف النجاح.. في التأليف والاستيعاب والحكم.. أي نتمنى له نجاحاً في حكومة تحكم ودولة تؤكد وجودها.. وشرعية ما فوقها شرعية! حكومة "لبنان أولاً" و"العروبة أولاً" (وهما لا ينفصلان)، و"السيادة أولاً" و"الدولة أولاً" و"الديموقراطية أولاً"..
حكومة كل شيء أولاً من القضايا المصيرية: لأن كل قضية مصيرية هي "لبنان أولاً"!