#adsense

هل بات الدستور غير ملائم أم الطبقة السياسية غير صالحة؟

حجم الخط

لأن تشكيل الحكومات لم يعد يتم في الداخل بل في الخارج
هل بات الدستور غير ملائم أم الطبقة السياسية غير صالحة؟

السؤال الذي بدأ يطرح في الأوساط الرسمية والسياسية والشعبية هو: هل ان دستور الطائف لم يعد صالحاً للعمل به ضماناً لاستمرار العيش المشترك وصوناً للوحدة الوطنية، ام ان ثمة طبقة سياسية يغلب عليها الشعور المذهبي والطائفي ترى ان هذا الدستور لم يعد ملائما ولا يستجيب تطلعاتها ولم يعد على قياس مصالحها وحجمها تعمل على عرقلة تطبيقه توصلا الى فتح باب البحث في دستور جديد مع تعذر تغيير هذه الطبقة؟

لقد واجه دستور ما قبل الطائف في الماضي ما يواجهه دستور الطائف اليوم، فكانت فئة لبنانية تشكو من الصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها رئيس الجمهورية بحيث كان هو الذي يعين الوزراء ويسمي من بينهم رئيسا للحكومة وكان يقيل الحكومة والوزراء ويحل مجلس النواب، وكان يفتتح العقود العادية ويختتمها بمرسوم يحدد مواعيدها وبرنامجها، ويتولى المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وابرامها وكان يترأس جلسات مجلس الوزراء في القصر الجمهوري.

هذه الصلاحيات الواسعة جعلت قيادات تصفه بـ"ملك على جمهورية"، ورئيس الحكومة بـ"باشكاتب" الى ان تم الاتفاق على اعتماد العرف في تطبيق بعضها، فصارت نتائج الاستشارات غير الملزمة هي التي تسمي رئيس الحكومة المكلف. وكان رؤساء يطبقون هذا العرف ورؤساء لا يطبقونه في حالات معينة ويلجأون الى ما نص عليه الدستور، ولم يكن يلجأ بعضهم الى حل مجلس النواب من دون اسباب موجبة ولم يعد يقيل الحكومة او يقيل وزيراً الا بالاتفاق مع رئيس الحكومة، وكان رئيس الحكومة يترأس احيانا جلسات مجلس الوزراء في السرايا وتوصف بانها جلسات مجلس وزاري لا قرارات نافذة تتخذ فيه.

وعندما عقدت لقاءات الطائف وتم الاتفاق على نقل بعض الصلاحيات التي كانت ممنوحة لرئيس الجمهورية الى مجلس الوزراء مجتمعا بحيث تناط به السلطة الاجرائية ولم تعد منوطة برئيس الجمهورية وحده، وصار لمجلس النواب ومجلس الوزراء حق اقتراح القوانين. وكان هذا الحق قبلا لرئيس الجمهورية ومجلس النواب. ولم يعد لرئيس الجمهورية حق افتتاح العقود واختتامها وحده بل بالاتفاق مع رئيس الحكومة. ولم يعد رئيس الجمهورية يتولى وحده المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وابرامها الا بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ولم يعد رئيس الجمهورية يترأس جلسات مجلس الوزراء الا عندما يشاء وعندما يحضر ولا ان يشاركه في التصويت، ولم يعد له حق تسمية رئيس الحكومة المكلف الا بموجب استشارات نيابية ملزمة، ولم يعد له حق تعيين الوزراء بل بات مرسوم تشكيل الحكومة ومراسيم قبول استقالة الوزراء او اقالتهم بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ولم يعد يتولى اعداد جدول اعمال مجلس الوزراء بل تعده رئاسة مجلس الوزراء وتطلعه عليه على ان يكون لرئيس الجمهورية حق عرض اي امر من الامور الطارئة على المجلس من خارج الجدول، وان يكون له حق دعوة مجلس الوزراء استثنائيا كلما رأى ذلك ضروريا ولكن بالاتفاق مع رئيس الحكومة. والرئيس المكلف يجري الاستشارات النيابية لتشكيل الحكومة، ويجتمع مجلس الوزراء دوريا في مقر خاص ويكون النصاب القانوني لانعقاده اكثرية ثلثي اعضائه وذلك تحقيقا للمشاركة الوطنية ويتخذ قراراته توافقيا فاذا تعذر ذلك فبالتصويت ويتخذ قراراته باكثرية الحضور. اما المواضيع الاساسية وقد حددها الدستور بـ14 موضوعا فانها تحتاج الى موافقة ثلثي عدد اعضاء الحكومة، وبات حل مجلس النواب خاضعا لشروط شبه تعجيزية.

وكما صار اعتماد العرف في تطبيق بعض مواد دستور ما قبل الطائف للحد من استخدام رئيس الجمهورية صلاحياته الواسعة التي كان استخدامها احيانا ينعكس سلبا على الوحدة الداخلية وعلى اسس العيش المشترك، فان من يشكو من بعض المواد في دستور الطائف اليوم يحاول اعتماد العرف ايضا ريثما يتم التوصل الى اعادة النظر في هذه المواد عندما يفتح باب تعديل الدستور.

الواقع، ان رئيس الجمهورية الذي كان في الماضي هو الذي يعين الوزراء ويسمي منهم رئيسا للحكومة، وكان التدخل الخارجي يقتصر على اختيار رئيس الجمهورية فقط، فان دستور الطائف جعل تشكيل الحكومة منوطا بالاتفاق بين رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية وبعد مشاورات نيابية يجريها الرئيس المكلف مع الكتل النيابية، واذا بعملية التشكيل لم تعد منوطة بهذا الاتفاق فقط، بل بات على رئيس الحكومة المكلف ورئيس الجمهورية الوقوف على آراء رؤساء الاحزاب والفاعليات من داخل المجلس وخارجه واذا كان بعضها مرتبطا بالخارج، فانه مطلوب الوقوف على راي هذا الخارج ايضا… وهكذا اصبح تشكيل الحكومة في ضوء الوضع السياسي الداخلي في لبنان وتركيبته السياسية الجديدة الدقيقة والمعقدة، لا بل تركيبته الطائفية الحساسة رهناً بالاتفاق مع اكثر من جهة داخلية واكثر من جهة خارجية، ولم يعد رهنا بالاتفاق بين رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية وحتى رؤساء الكتل. وصارت عملية التشكيل لا تتم في الداخل فقط بل في الخارج ايضا. ولم تعد الاكثرية النيابية التي تنبثق من الانتخابات هي التي تحكم والاقلية تعارض، وهو ما اعتمد منذ الاربعينات حتى السبعينات، بل بات على الاكثرية ان تحكم مع الاقلية بحجة ان لبنان لا يحكم الا بالتوافق وليس من فريق واحد.. وما لم يحصل توافق على اي موضوع مثير للخلاف ومطروح على مجلس الوزراء، فانه يبقى معلقا ومجمدا الى اجل غير معروف حتى ولو كانت الضرورات السياسية والامنية او الاقتصادية او المالية تقضي ببته…

وشرط التوافق هذا يتعارض والمادة 65 من الدستور التي وضعت قاعدة لتحقيق المشاركة الوطنية وذلك بان يكون النصاب القانوني لانعقاد مجلس الوزراء اكثرية ثلثي عدد اعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها، وحدد 14 موضوعا اساسيا تحتاج الموافقة عليها الى تصويت الثلثين اذا تعذر التوافق عليها.

هذه هي المشاركة الوطنية التي حدد الدستور اصولها وقواعدها. وها ان المعارضة التي تمثل قوى 8 آذار والمتحالفين معها لا تقبل بتطبيق هذه المادة وتريد التوافق على كل موضوع مثير للخلاف حتى ولو صار اعتماد ذلك بالعرف ريثما يعاد النظر في هذه المادة… اي ان التصويت بالثلثين الذي نصت عليه لبت المواضيع الاساسية، ممنوع الى ان يصير التوافق عليها… وان البلاد اذا واجهت وضعا امنيا يتطلب اعلان حالة الطوارىء فممنوع اعلانها اذا لم يحصل توافق… واذا واجهت البلاد وضعا يتطلب اتخاذ قرار بالحرب او السلم فممنوع اتخاذه الا بالتوافق، واذا كانت الحاجة الى عقد اتفاقات ومعاهدات دولية فممنوع عقدها اذا لم يحصل توافق. حتى ان الموازنة العامة للدولة اذا لم يحصل توافق عليها، فان اقرارها يبقى مؤجلا الى ما شاء الله وممنوع بتها بتصويت الثلثين تطبيقا للمادة 65 من الدستور. وممنوع ايضا تعيين موظفي الفئة الاولى لتأمين حسن سير عجلة الدولة اذا لم يحصل توافق، وهو ما حصل مع الحكومة الحالية المسماة "حكومة وحدة وطنية"… فظلت مراكز كثيرة شاغرة.

لقد انتفض الرئيس حسين الحسيني على هذا الوضع الشاذ فاستقال من النيابة ورفض الترشح للانتخابات الاخيرة احتجاجا على انتهاك احكام الدستور وتمزيقه. فاما يكون دستور يعود اليه الجميع ويحتكمون له في خلافاتهم، واما لا يكون دستور فتسود عندئذ شريعة الغاب…

المصدر:
النهار

خبر عاجل