العاصمة المصريّة تدعم الحريري وتتابع “بلا مبالغة” بعض “الإشارات” السورية

العاصمة المصريّة تدعم الحريري وتتابع "بلا مبالغة" بعض "الإشارات" السورية
القاهرة: لا تفريط بـ"الرصيد" العربي في لبنان

إذا كان من المسلّم به أنّ مصر "منغمسة" في الإتصالات العربيّة ـ العربيّة من جهة وفي ملّف المصالحة الفلسطينيّة ـ الفلسطينيّة من جهة ثانية، على خلفيّة إقتناعها بإعادة "إعمار" النظام العربيّ وبضرورة الإستفادة العربيّة مِن "مستجدّات" السياسة الأميركيّة كما عبّر عنها الرئيس باراك أوباما، فإنّها ليست بعيدة عن الإتصالات السعوديّة ـ السوريّة والإتصالات الدوليّة ـ السوريّة في خصوص لبنان وقد دخل مرحلة جديدة بعدَ الإنتخابات النيابيّة الأخيرة في 7 حزيران الماضي.

القيادة المصريّة والحريري و"الرصيد"
ذلك أنّ القيادة المصريّة، كما مجمل قيادة النظام العربيّ، تعتبر أنّ فوز 14 آذار في الإنتخابات النيابيّة اللبنانية "نقطة قوة" للنظام العربيّ وتماسكه ووحدته.. على الأقلّ من زاوية أنّ عدم فوز 14 آذار كانَ سيحّقق "أمنية" الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الذي "وعد" بتغيّر وجه المنطقة في حال فوز فريق 8 آذار.
كذلك فانّ القيادة المصريّة تعتبر نفسها "معنيّة" بوصول رئيس "تيّار المستقبل" وزعيم الغالبيّة النيابيّة سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة في لبنان وبتسهيل ظروف الحريري تالياً. وذلك ليس فقط من منطلق العلاقة التي ربطت مصر بالرئيس الشهيد رفيق الحريري ووريثه من بعده، لكن أيضاً من منطلق الإقتناع بأنّ الرجل يملك من القدرات ما يتيح له أن يكون في "نادي القيادة" على مستوى النظام العربيّ ككلّ، وما يتيح له أن "يعيد" لبنان إلى دوره النشط والفعّال في إطار هذا النظام، وما يتيح له أن يجعل من لبنان جناحاً فعلياً لنظام المصلحة العربيّة.
في هذا المجال، تؤكّد مصادر مصريّة رفيعة المستوى أنّ القاهرة لم تتدخّل البتّة في قرار سعد الحريري الترشّح لرئاسة الحكومة اللبنانيّة، فلا نصحته بالإقدام ولا نصحته بالإحجام. غير انّ مصر ترى نفسها، وقد اتخّذ الحريري قراره، معنيّة بدعمه وبنجاحه. ويكاد "لسان حال" الموقف المصريّ يقول: هذا سعد إبن رفيق، وهو رجلٌ "منّا" سندعمه ونحصّنه ونحميه.

العلاقة المصريّة ـ السوريّة
على أنّ مصر تسجّل في هذا الإطار عدداً من "الإعترافات".
"تعترف" بأنّ سوريّا لم تعطّل الإنتخابات اللبنانيّة لأسباب وأسباب، من بينها أنّها كانت وعدت المجتمع الدوليّ من ناحية والمملكة العربيّة السعوديّة من ناحية ثانية بذلك.
و"تعترف" بأنّ نوعاً من التفاهم السعوديّ ـ السوريّ بشأن إنتقال لبنان من مرحلة إلى أخرى، سبق الإنتخابات ولا شيء يمنع تجدّده بعد الإنتخابات وبعد تكليف سعد الحريري برئاسة الحكومة.
و"تعترف" بأنّ العلاقة المصريّة ـ السوريّة "لا تشبه" العلاقة السعوديّة ـ السوريّة من جوانب عدّة لإعتبارات شتّى، وبأنّ العلاقة بين القاهرة ودمشق لاتزال "غير حارّة" إذا جاز التعبير.
و"الإعتراف" الأبرز، هو أن مصر تبدو ميّالةً إلى عدم المبالغة في إعتبار انّ ثمّة إيجابيّةً "حاسمة" مِن جانب النظام السوريّ تجاه لبنان، حتّى في ظلّ التواصل السعوديّ ـ السوريّ. ولذلك حيثيّات في "القراءة المصريّة".

سوريّا و"حدودها" في لبنان
تعربُ المصادر المصريّة رفيعة المستوى عن إعتقادها أنّ إعتبارَين رئيسيَين يحكمان تعاطي النظام السوريّ مع لبنان.. حتّى الآن.
الأوّل، هو أنّ دمشق تعتبر فريق 14 آذار ـ و"تيّار المستقبل" في مقدمه ـ معادياً لها، ولذلك فإنّ الموقف السوريّ يقضي بعدم تمكين 14 آذار أي الأكثريّة من أن تحكم لبنان بقرارها هي وحدها، ويقضي بإخضاع الأكثريّة إلى توازنات "تحدّ" من سلطتها.
والثاني، هو أنّ العاصمة السوريّة ترى أنّ نسبةً من الهشاشة في الوضع اللبناني يجب أن تبقى قائمة بحيث لا يتحقّق للبنان إستقرارٌ "نهائيّ" أي بحيث لا يكون الإستقرار "معطى ناجزاً".

عينُ بشّار على أميركا
وفي إعتقاد المصادر المصريّة أنّ وراء الإعتبارَين السوريَين الآنفين هدفاً سياسياً مترابطاً: أن تبقى الحاجةُ إلى دمشق في لبنان "دائمة" فتبقى سوريّا "مرجعيّة" للبنان بهذه النسبة أو تلك من جهة، وأن تبقى لسوريّا "ورقة" في لبنان تفاوض عليها مع المجتمع الدوليّ من جهة أخرى.
وفي هذا السياق، تدعو القاهرة إلى الإنتباه إلى "حقيقة" أنّ النظام السوريّ يتواصل مع المملكة العربيّة السعوديّة و"يتفاهم" معها على عدد من الأمور لكن عينه على الولايات المتحّدة بإستمرار.
بإختصار، إنّ تقدير مصر لضرورة عدم المبالغة في إعتبار أنّ ثمّة ايجابيّة سوريّة "حاسمة"، إنمّا يستندُ إلى قراءة لـ"الحسابات" السوريّة ممّا لا يجعل الإتصالات والتفاهمات السعوديّة ـ السوريّة قادرةً وحدها على تشكيل "شبكة أمان" راسخة للبنان. كذلك فإنّ التقدير المصريّ يستند إلى اقتناع بأنّ المآل الأخير لعلاقة سوريّا بلبنان، يرتبطُ بـ"التحوّلات" التي ستطرأ على "الموقع" السوريّ بالعلاقة مع التطوّرات الإقليميّة والدوليّة، الجاري منها حالياً والمحتمل في فترة لاحقة.

إيران.. "حماس".. أميركا وإسرائيل
وهنا، ترى القيادة المصريّة أهميّة كبرى لعدد من العوامل التي من شأن تبلورها أن يبلور الوجهة التي يمكن للوضع اللبنانيّ أن يسلكها في المرحلة المقبلة.
تُتابع مصر التطوّرات في إيران بعدَ "أزمة الإنتخابات الرئاسيّة". وإذا كانت مقتنعةً بأنّ ما بعدَ هذه "الأزمة" هو غير ما قبلها أياً يكن "الحلّ" الذي سيحصل في طهران، وسواء كان "حلّ" أو "أزمة مفتوحة"، فانّ مصر تنتظر لمعرفة كيف سيردّ النظام الإيراني على الأزمة. هل سيلجأ إلى نوع من "الهروب إلى الأمام" باتجاه تصعيد المواجهة مع المجتمع الدوليّ؟. هل سيلجأ إلى مشاكل مع الجوار تصديراً للأزمة؟. هل سينكفئ نحو الداخل؟. أم هل سينحو باتجاه عقلانيّ في الداخل، لكن في الإطار الإقليميّ ـ الدوليّ تحديداً؟.
وتتابع مصر "التميّزات" السوريّة عن إيران، بما في ذلك التميّزات النسبيّة في لبنان. لكنّها تنتظر لترى أين وكيفَ ستحطّ هذه التميّزات رحالها في "المطاف الأخير".
وتتابع القاهرة الملّف الفلسطيني، وإذ ترى إحتمال إستعادة "حماس" إلى الحضن العربيّ، تنتظر تبلورَ السياسة الحمساويّة بشكلٍ أكثر وضوحاً.. علماً أن لسوريا تأثيراً في الوضع الفلسطيني لم تُحسم إتجاهاته بعد.
وتتابع العلاقة "الإشكاليّة" الناشئة بينَ الولايات المتحدّة وإسرائيل في ضوء مبادرة الرئيس باراك أوباما التي واجهتها حكومة بنيامين نتنياهو بتطرّف كانَ متوقعاً.

لبنان والتقاطعات الخارجيّة
بايجاز، ترى المصادر المصريّة رفيعة المستوى أنّ لبنان أنتجَ إعتباراً من 7 حزيران الماضي وضعاً سياسياً يُعدّ ايجابياً جداً للنظام العربيّ وإستراتيجيّته، لكنّ لبنان لا يزال هو نفسه على تقاطع تطوّرات إقليميّة لم تتأكّد وجهتها "الأخيرة"، ولا "مخاضاتها" أيضاً.
ولذلك، فانّ هناك ايجابيّات يمكن لبنان الإستفادة منها، لكنّ هناك ترّقباً واجباً لتطوّرات عديدة في المقابل.
إنّ القيادة المصريّة التي تبدو وقد وضعت الوضع اللبناني في خانة الايجابيّات أي في رصيد النظام العربيّ، تبدو في الوقت نفسه جامعةً بين التفاؤل وبين عدم المبالغة فيه. وتبدو مصممةً على تكثيف إنغماسها في الاتصالات العربيّة ـ العربيّة الهادفة إلى إعمار النظام العربيّ من جديد، وإلى إستنقاذ القضيّة الفلسطينيّة في لحظة تحوّل في العلاقة الأميركيّة ـ الإسرائيليّة، وإلى تدعيم لبنان ودوره العربيّ.

نصير الأسعد

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل