ماذا يخبئ التعجيل في المصالحات العربية ؟
فجأة وضعت المصالحات العربية على نار حامية بالتزامن مع حراك ديبلوماسي دولي في اتجاه المنطقة وتحديداً سوريا، وصار لبنان وعلاقاته مع سوريا بندا عاجلا في سياق صوغ مرحلة ما بعد انتخابات السابع من حزيران، وتأليف الحكومة الجديدة برئاسة سعد الحريري.
وفجأة تزاحمت مفكرة قادة المنطقة، ومبعوثي الولايات المتحدة وفرنسا الى دول المنطقة في شكل لم يسبق له مثيل، بينما كانت القوات الاميركية تبدأ عملية واسعة للانسحاب من المدن العراقية في مقابل تكثيف حربها على "القاعدة" و"طالبان" في كل من باكستان وافغانستان.
وفجأة احتلت انباء المفاوضات السعودية – السورية حول لبنان كل المساحة في شكل لم يسبق له مثيل منذ سنوات عدة.
والسؤال ماذا يجري في المنطقة، ولا سيما في خلفية الصورة اللبنانية التي يعتقد انها تخبئ تحولات كبيرة في "سنة كل الأخطار" وهي تسمية يطلقها ركن سياسي لبناني مواكب للاتصالات العربية؟
اكثر من تفسير يُطرح في ما يتعلق بإهتمام السوريين بالملف اللبناني، لجهة رغبتهم في انتزاع اعتراف عربي – دولي بمشروعية مصالحهم الامنية والاستراتيجية فيه. فثمة رأي يقول ان ما يجري لا يتعلق بلبنان بمقدار ما يتعلق بجهد عربي – دولي كبير يهدف الى سحب جزء من الورقة السورية من يد ايران. والحكم السوري تقدم كثيرا على طريق العودة الى الحظيرة العربية، واعادة التأهيل الدولية التي انطلقت فعليا مع اطلاق الملك عبد الله بن عبد العزيز مبادرة المصالحات في قمة الكويت قبل اكثر من سبعة اشهر. والحال ان من ظنوا في ذلك الحين ان خطوة العاهل السعودي كانت تكتية يستنتجون اليوم بعد مرور سبعة اشهر عليها انها مبادرة استراتيجية متعددة الطرف تتصل بوضع المنطقة من ايران الى مصر، ولبنان جزء منها.
في هذا الاطار لا بد من التوقف عند تطورات عدة حصلت في الفترة الاخيرة تمثّل كل منها على حدة قطعة من "بازل" اقليمية كبيرة يجري جمعها بجهد مشترك ومتزامن عربي ودولي:
-1 تقدم كبير وسريع على مستوى الاتصالات السعودية – السورية في ما يتعلق بالوضع اللبناني. وزيارات كثيفة لموفدين سعوديين رفيعي المستوى الى دمشق تمهيدا لعقد قمة بين الملك عبد الله والرئيس بشار الاسد في الايام القليلة المقبلة تأتي تتويجا لتفاهمات يصعب القول انها تقتصر على الواقع اللبناني.
-2 سبق ذلك تقدم على صعيد المصالحة الفلسطينية، وتطور لافت في خطاب حركة "حماس" في شأن حل الدولتين وقد زار رئيس المكتب السياسي خالد مشعل القاهرة قبل مدة وجيزة.
-3 اتصالات كثيفة لتحويل القمة السعودية – السورية قمة ثلاثية تنضم اليها مصر، ثم رباعية ينضم اليها لبنان ممثلا بالرئيسين ميشال سليمان وسعد الحريري، في ما يشبه اعادة احياء لمثلث الرياض – القاهرة – دمشق القديم.
-4 انباء عن اتفاق لمعاودة المفاوضات السورية – الاسرائيلية في تركيا مباشرة تبدأ بحضور الوسيط التركي لتتواصل في ما بعد سورية – اسرائيلية ثنائية.
-5 جولات لقائد المنطقة الوسطى الاميركية الجنرال ديفيد بترايوس شملت افغانستان وباكستان ومصر وتركيا ولبنان!
-6 جهود متسارعة للملمة العلاقات اللبنانية – السورية، وتسهيل ولادة الحكومة اللبنانية الجديدة برئاسة سعد الحريري على قاعدة تنقية العلاقات مع دمشق برعاية عربية – دولية تأخذ مصالح الحكم في سوريا في الحسبان، من دون التسليم لدمشق بدور تطمح اليه لم يعد في الحسابات الدولية.
-7 عودة السفير الاميركي الى دمشق، وتحرك فرنسي عبر وفد رئاسي في اتجاه دمشق عنوانه لبنان، لكنه قد يخفي مواضيع اخرى.
-8 حراك ما متجدد على مستوى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بالنسبة الى برنامج حماية الشهود، والقرار الظني المتوقع في نهاية الصيف الحالي.
هذه بعض المؤشرات البارزة التي تدعو المراقبين الى التفكير في ما يحصل، وتدفع الى التساؤل عما يحصل حقيقة في المنطقة. فهل تخفي المصالحات العربية شيئا آخر؟
علي حماده