#adsense

ماذا تغيّر وماذا لم يتغيّر في لبنان.. بعد الانتخابات؟!

حجم الخط

ماذا تغيّر وماذا لم يتغيّر في لبنان.. بعد الانتخابات؟!

لا تقول أطراف الأقلية النيابية الآن، وبعد أسابيع من الانتخابات وخسارتها لها، الا ما كانت تقوله قبل ذلك بسنوات، وحتى ما كانت تردده بعد "اتفاق الدوحة" وما سبقه ورافقه من تطورات. أما الهدف، كما يردد بعض هذه الأطراف بصلف، فهو التأكيد على الأرض وليس قولا فقط أن شيئا لم يتغير في لبنان بعد الانتخابات عما كان قبلها، وتاليا أن موقف الأقلية من السلطة والحكم، ومن مستقبل البلد بشكل عام، ما يزال على حاله من دون أي تبدل. والمعنى العملي لهذا اللاتبدل هو أن يبقى الاستقرار اللبناني، السياسي والاقتصادي ـ الاجتماعي وحتى الأمني، مطلبا مثارا وربما عزيز المنال في الفترة المقبلة تماما كما كان في الأعوام الماضية.

والأمثلة على ما سبق عديدة ومتنوعة في الوقت ذاته :
أولا = الكلام على "الثلث المعطل.. الضامن.. المشارك"، والأوصاف من صنع الأقلية نفسها عندما ترى ذلك مناسبا، ما يزال يرتفع وينخفض من وقت لآخر من دون أن يرسو على قرار، بينما يرافقه كلام على "انجازات" توصف بأنها "باهرة" للحكومة الحالية باعتبارها قامت على مقولة الثلث هذا، وكلام آخر على رفض أية صيغة تكون فيها أرجحية لرئيس الجمهورية بحيث تشكل أرجحية الرئيس مثل هذا "الضمان في الحكومة" أو حتى "التعطيل" من داخلها.

الجديد هنا فقط أن أحدا في الأقلية، التي تصر على تسمية نفسها بـ"المعارضة" حتى وهي تصر على حكومة وحدة وطنية وتطالب بالمشاركة فيها، لم يعد يربط بين "الثلث المعطل" و"اتفاق الدوحة"، ولا يقول أن مفاعيل هذا الاتفاق باقية ما بقي "اتفاق الطائف" نفسه كما كانت النغمة على امتداد الفترة التي سبقت الانتخابات. والجديد أيضا، أن بعضها (العماد ميشال عون مثلا) يأخذ على الاتصالات التي تتم بين الرياض ودمشق بأنها تستبعد اللبنانيين عن دورهم في تشكيل الحكومة، وأن بعضها الآخر ("حزب الله" وحركة "أمل") يختبئ وراء مقولة أن سوريا من ناحيتها، وفي خلال الاتصالات مع السعودية تحديدا، لا تمانع في أن تحصل الأقلية على "الثلث المعطل" أو ما يوازيه من "ضمانات" تكون في واقع الأمر تعطيلية بامتياز.
وفي هذا السياق استعيد الحديث عما يسمى بـ"الوزير الملك" أو "الوزراء الملوك"، واستعيد معه الكلام على اعارة رئيس الجمهورية أو استيداعه مثل هذا الوزير أو الوزراء، بهدف واحد لا غير هو اللعب على لفظة "الثلث" بحيث تتحول الى شيء أشبه بـ"وديعة" لدى الرئيس بعد أن كانت تلحق مرة بصفة "معطل" وأخرى بصفة "ضامن" وثالثة بصفة "مشارك"!.

ثانيا = اعتماد الأقلية مقولة "الأكثرية الشعبية" في مقابل الأكثرية النيابية التي أحرزتها قوى 14 آذار في الانتخابات، بعد أعوام من مقولتها عن "الأكثرية الوهمية" نتيجة انتخابات العام 2005، والاختباء وراءها لمحاولة تحقيق هدفين في وقت واحد: "فبركة" كتل نيابية كبيرة نسبيا في كل من زغرتا والشويفات ومرجعيون تحضيرا لاستئناف "الحوار الوطني" بعد الانتخابات من جهة، والمطالبة بزيادة حصص الأقلية في تشكيلة الحكومة المقبلة من جهة ثانية.

تأسيسا على ذلك، ترى بعض أطراف الأقلية ("حزب الله" بالذات) أن الاتهام السابق لقوى 14 آذار بأنها "أكثرية وهمية" ما زال قائما وان يكن بلفظة جديدة، هي "الأكثرية الشعبية" لقوى 8 آذار، كما ترى أطراف أخرى (العماد عون) أن ترجمة نتيجة الانتخابات ـ في الحكومة أو في غيرها من المؤسسات والادارات ـ يجبأن ينطلق مما تصفه بـ"التمثيل النسبي" للكتل النيابية التي شكلت وعدد النواب المنضوين في كل منها.. بالطبيعة السياسية الجغرافية، أو بالاعارة من الحلفاء لا فرق!!.

ثالثا = السعي الحثيث، والمتعدد الوسائل والأساليب، لايجاد اطار جبهوي أصلب تنظيما وأكثر تماسكا، كما يقول الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، لما يصر وتصر معه الأقلية على وصفه بـ"المعارضة" في المرحلة المقبلة، والاعلان في كل مناسبة عن أن استمرار هذه المعارضة أمر لا نقاش فيه تماما كما هي "حكومة الوحدة الوطنية" التي لا نقاش أيضا في أن تشارك المعارضة فيها… ولكن بشروطها!.

وليست اللقاءات المكثفة التي بادر السيد نصر الله، منذ انتهاء الانتخابات، الى عقدها مع أطراف الأقلية في مجلس النواب أو مع تلك التي فشلت في دخول المجلس أو مع غيرها ممن لم تخض الانتخابات أصلا، الا بهدف ايجاد هذا الاطار، أو أقله اعادة لم الشمل بعد الهزيمة التي لحقت بما كان يسمى بـ"جبهة المقاومة والممانعة" على ساحة لبنان في الانتخابات.

أما لماذا "المقاومة"، ولماذا "الممانعة"، ولماذا حتى الجبهة التي تجمع بينهما، في الوقت الذي يتفق فيه الجميع على أن مناخا سياسيا جديدا بدأ يهب على المنطقة من ألفها الى يائها، وينطلق من العالم الخارجي كله بما فيه "الشيطان الأكبر" في الولايات المتحدة الأميركية بهدف معالجة قضاياها التاريخية وفي مقدمها قضية فلسطين، فلا جواب على ذلك سوى الجواب القديم اياه: المقاومة بالسلاح من جهة والممانعة بالسياسة من جهة ثانية!.

وفي الجو اللبناني الراهن، خصوصا بعد الانتخابات ومبادرة الأكثرية النيابية بقيادة زعيم "تيار المستقبل" رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري الى مد يدها للأقلية بهدف فتح صفحة جديدة في لبنان وبين اللبنانيين على اختلاف آرائهم وتياراتهم السياسية، فلا معنى لمثل هذه الجبهة الا معنى "مقاومة" أو "ممانعة" الصفحة الجديدة هذه وان يكن تحت هذه اللافتة الضيقة أو تلك.

ربما يملك تفسيرا منطقيا، أو حتى مبررا كافيا، ذهاب البعض الى اعتبار ما تقوله الأقلية عن أن شيئا لم يتغير بعد الانتخابات عما كان قبلها من نوع التعالي على الجراح، أو الاحتفاظ بالأوراق بهدف المساومة، أو اعتماد الهجوم في موقع الدفاع، لكن بعض ما يجري على الأرض (أحداث منطقة عائشة بكار نموذج) وما يمارس في السياسة (جبهة المعارضة الواسعة والشروط لتشكيل الحكومة نموذج آخر) يشي بخلاف ذلك تماما.
ولعل الأيام القليلة المقبلة تكشف الغث من السمين مما يشهده اللبنانيون في هذه الفترة الرمادية… مما يقال في السر، أو يسرب للاعلام، أو يستهدف مخاطبة القواعد الشعبية، أو يطرح لتحسين الشروط من ناحية، وما يحدث عمليا على الأرض من ناحية أخرى.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل